الفخامة بين رسائل الضغط ورسائل الدّعم

خاص بوابة بيروت

كلّما اقتربنا من تاريخ الـ21 الجاري ارتفع منسوب الضّغط على فخامة الرّئيس ليذهب مثقلًا إلى البيت الأبيض، حيث يصنع لبنان الجديد. فيما استمرّت قوى الأمر الواقع ” غير السياديّة” في لبنان بربطها المسار اللبناني مع المصير الإيراني، تفاوضًا ومواجهةً. في محاولة للإيحاء أنّ القرار اللبناني لا زال في طهران. فيما يصرّ فخامته على تثبيت القرار اللبناني في بيروت.

وبالتّحديد في بعبدا. صحيح أنّ الجهة اختلفت لكنّها تحاول فرض الشعار الذي حكم لبنان طوال سنوات الاحتلال السوري:” وحدة المسار والمصير”. ولكن هذه المرّة تحت شعار “وحدة الساحات”.

وبما أنّ المواجهة استؤنفت بين الطّرفين الأميركي والإيراني، وبما أنّ المنظّمة تصرّ على ربط المسارات بين بيروت وطهران، فلم يستبعد مصدر ديبلوماسي، رفض الكشف عن اسمه، أن تسعى منظّمة حزب الله إلى عمليّة انقلاب في الميدان العسكري، بحيث تقوم بتفجير الوضع جنوبًا وفي الدّاخل اللبناني، وذلك لممارسة الضّغط على فخامة رئيس الجمهوريّة بهدف ثنيه عن الذّهاب إلى واشنطن.

وفي حال لم يتجاوب مع المستجدّات التي ستسعى إلى فرضها، كلّ من إيران ومنظّمتها، عبر توسيع الساحات، سيكون ذهابه ضعيفًا في عاصمة القرار، إذ سيبدو أمام الرّئيس الأميركي، الذي لا يحبّ الضّعفاء، ضعيفًا وعاجزّا لأنّه لا يملك القرار.

ولقد بدأت هذه الحملة بالطّريقة السياسيّة والإعلاميّة لأنّ عمليّة ربط المسارات بنظر كلّ من فخامة الرئيس عون ودولة الرّئيس سلام هي انتحار لأي دولة في العالم لأنّهما رجلا دولة، ويعرفان تمامًا ما معنى أن تكون شاهد زور على حُكمٍ لست حاكمًا فيه. ولا حتّى مجرّد حكمٍ. ولا سيّما أنّ فخامته، في العهد السابق، كان الشّاهد الملك على هذه الطّريقة في إدارة الدّولة التي أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.

فعندما يلتقي العون والسلام تسقط جعجعة الممانعين كلّهم بضربة حكيم واحدة. وفي هذا الإطار اتت زيارة تكتّلأ الجمهوريّة القويّة يرئسها رئيس حزب القوات اللبنانية الدّكتور سمير جعجع إلى قصر بعبدا لتشكّل رافعة لهذا العهد، ولهذا المسار اللبناني.

ولعلّ هذا ما يفسّر غضب الممانعين الذين انهالوا على الرّجلين بوصفهما بأقسى النّعوت، وكيل اتّهامات العمالة والتآمر على الطّائفة الشيعيّة برمّتها. ليأتي الجواب المبين على لسان رئيس حزب القوّات اللبنانيّة بأنّ الضامن الوحيد للطائفة الشيعيّة كما للبنانيين كلّهم هو الدّولة، ووحدها الدّولة لا شريك معها.

وأمام هذا الواقع الذي نجح فخامة الرّئيس بحصد اكثر من 80 % من اللبنانيين معه، لم يعد قراره بالتّفاوض مجرّد إعلان نوايا على قاعدة ما حصل في مسار إسلام آباد القاتل للبنان، والذي لا تريد طهران عبر منظّمتها سواه لبيروت، بهدف أن تقتل بيروت مرّة ثانية بنيتراتها التّفاوضيّ المرفوض والمرتجع جملة وتفصيلًا إليها.

ومن هذا المنطلق، أكّدت معلومات صحافيّة وإعلاميّة من البيت الأبيض أنّ لقاء واشنطن سيكون استكمالًا لمسار روما في الأسبوع المقبل، حيث سيتمّ إطلاق عجلة المناطق التّجريبيّة بانسحاب إسرائيلي، أو بأضعف الأحوال، بانتشار للجيش اللبناني في مناطق غير آمنة، ولكن لم يكن فيها تواجد ميداني للجيش الإسرائيلي. ولعلّ هذا ما سيمهّد لخطوات لاحقة؛ آتية حتمًا، لأنّه على ما يبدو، أنّ الرئيس الأميركي عازم على رفع منسوب الضّغط على إيران، حتّى ترضخ في وحدة ساحتيها.

فالمجتمع الدّولي يتعامل مع الدّولة اللبنانيّة على انّها المرجع الأوحد لأيّ عمليّة تفاوضيّة. وهذا ما أسقط ورقة إيران ومنظّمتها في لبنان بالضّربة القاضية الديبلوماسيّة. فما لم يحقّقه الميدان بشكل جذري، حقّقته الديبلوماسيّة الرّشيدة بضربة حكيم. وما ستحاول إيران القيام به إسقاط الديبلوماسيّة بالميدان. أي أنّ المسارات تلتقي في السطوح وتتعاكس في الأعماق. ويُرادُ للمسارين أن يكونا ضدّان ويلتقيا!

تحضيرات لاجتماع روما، وتحضيرات للقاء واشنطن، ودعم خارجي، ودعم من أكبر تكتّل نيابي، ودعم من أكثريّة الشّعب اللبناني، هذه كلّها تؤشّر على مدى جدّيّة هذا المسار واحتمال إنجاحه. ما يؤكّد بالجهة المقابلة استماتة المحور لإسقاطه، ورفضه الاعتراف بسقوط مشروعه السياسي – العسكري في لبنان والمنطقة. فموازين القوى قد تبدّلت. وما كان مشرّعًا قبل تاريخ السابع من أكتوبر لم يعد، ولن يعود أبدًا. فالتّاريخ لا يرجع إلى الوراء. ومَن يريد أن يعيش في التّاريخ فهو حتمًا لن يكون في الجغرافيا.

فبنهاية المطاف، الشجاعة المطلوبة اليوم هي الاعتراف بالخطأ، والسقوط، والانتقال. فالنقد الذاتي ومراجعة الخيارات والاعتذار من اللبنانيين كلّهم على أخطاء الماضي لا يملكها إلّا قلّة قليلة من اللبنانيّين، ولنا في تاريخنا رجل واحد تجرّأ حيث لم يجرؤ الآخرون.

لأنّه كان يرى أنّ الاستمرار بالمسار نفسه سيؤدّي إلى المزيد من الخسائر لا الانتصارات التي حقّقها. وقرأ تبدّل الموازين الدّوليّة واعترف بها.

وأنقذ لبنان على حساب حرّيّته الشخصيّة الكيانيّة ليحافظ على الحرّيّة الكيانيّة اللبنانيّة للبنانيّين كلّهم. وبقي لبنان.

واليوم أيضًا سيبقى لبنان. لكن هل سيبقى الجبناء الذين لا يملكون هذه الجرأة ؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك