
مدير التحرير
#الجمهوريّة_الثالثة ودبلوماسية الظلال في “Sandbox”
الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي
@DRMICHElCHAMMAI
يطلّ هذا الأسبوع وهو يحمل في طيّاته الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية السادسة ومسار ما بعد الإطار، ولكن هذه المرّة في روما، وليس في واشنطن أو جنيف، يومي 15 و16 الجاري.
وأبرز الملفات المطروحة على جدول الأعمال هي:
– تنفيذ الاتفاق الإطاري الذي أُعلن عنه أواخر حزيران.
– آلية الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي لا تزال موضع خلاف في جنوب لبنان.
– انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي سيتمّ الانسحاب منها.
– الترتيبات الأمنية وآليات المراقبة والتحقّق لمنع تجدّد الاشتباكات.
– ملف سلاح حزب الله جنوب الليطاني، وكيفية تنفيذ الالتزامات الأمنية الواردة في التفاهمات، وهو من أكثر البنود حساسية.
– الانتقال من الترتيبات الأمنية إلى بحث ترتيبات سياسية أوسع إذا نجحت المرحلة الأولى من التنفيذ.
لماذا روما؟
لماذا اختيرت روما، لا جنيف ولا الدوحة؟ روما، كمسرح للتفاوض، تستحضر إرث سايكس – بيكو والعلاقة القديمة بين الفاتيكان ولبنان الكيان. فهل يعني هذا الاختيار عمليًّا إعادة رسم الكيان اللبناني من جديد؟ وهل ستكون هذه المفاوضات بابًا لتنفيذ ما هو أبعد ممّا طرحه القرار 1701، لأنّ الزمن قد عفا عليه؟
ديبلوماسية الظلال وحرب الأضواء
لقد نجح المحور السيادي في لبنان بانتزاع ما صبا إليه منذ 14 آذار 2005 من بوابة الدبلوماسية. فما خسره محور إيران في لبنان بدبلوماسية الظلال أكبر بكثير ممّا كسبه في حرب الأضواء. وها هو اليوم يسعى إلى إبطال مفاعيل دبلوماسية الظلال بفرضه حربًا جديدة، متأمّلًا أن تكون من نوع آخر، متجاهلًا أنّ الحروب في الشرق الأوسط لم تعد تُدار بالسلاح التقليدي فقط، بل عبر الخوارزميات، والهجمات السيبرانية، واختبار الأسلحة الذكية.
المواطن بين الخوف والملل
وهكذا، فإنّ المواطن اللبناني، الذي يئنّ تحت نير أزمة اقتصادية – اجتماعية لم يشهد لها مثيلًا في تاريخه الحديث، انتقل من الخوف من حرب أهلية غير مربحة، لأنّ السلم الأهلي اليوم هو نتاج حسابات الربح والخسارة، لا نضجًا أخلاقيًا أو حتى وطنيًا، إلى الملل من التهديد بهذه الحرب. فقد تحوّلت هذه الأصوات إلى خلفية صوتية (White Noise) في حياة المواطن اليومية. وهذا التبلّد الجماعي نجحت في توظيفه السلطة السياسية التي لا تزال تدور في محور إيران لإطالة أمد بقائها في الحكم من دون محاسبة.
إدارة نهاية الحقبة القديمة
فلبنان الذي يذهب إلى روما لا يعيش بداية مرحلة جديدة، بل إدارة نهاية الحقبة القديمة التي أوصلته إلى حدّ الاضمحلال. ولكنّ الهدوء الحالي، أعني الهدوء في الحراك الداخلي التغييري، وليس الهدوء الجبهاتي، هو أخطر بكثير من الحرب غير المربحة. ففي مثل هذه المراحل تتجمّد الأزمات، لأنّ أبواب الحلول تُفتح من الخارج. ولعلّ المسار في روما قد يؤدّي إلى حلّ الأزمة اللبنانية من خلال تحديد وظيفة لبنان في الشرق الأوسط الجديد، انطلاقًا ممّا سيُبحث في كيفية تطبيق الاتفاق الإطاري.
من الترتيبات الأمنية إلى الترتيبات السياسية
وبمجرّد أن تتمّ مناقشة آلية الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وكيفية نزع سلاح حزب الله، فإنّ هذا بحدّ ذاته يمهّد للانتقال من الترتيبات الأمنية إلى الترتيبات السياسية، شرط نجاح هذه المرحلة. وهذا ما سيطرح إشكالية إعادة الدور اللبناني في الشرق الأوسط الجديد. وهل سيستطيع هذا “اللبنان” أن يضطلع بأيّ دور على مستوى المنطقة؟
نحن بأمسّ الحاجة إلى لبنان جديد، في اتحاد فدرالي لمكوّناته الحضارية، بصيغة يصبح فيها الحياد خيارًا وجوديًا وضرورة جيوسياسية لحماية لبنان من التحوّل مجددًا إلى ساحة صراع، لا خيارًا أخلاقيًا أو شعارًا سياسيًا.
الأمن الحيوي وصراع المستقبل
فالصراع الحيوي في الشرق الأوسط الجديد هو “الأمن الحيوي”، الذي تحدّث عنه المفكّر السياسي ميشال فوكو، وعرّفه بأنّه نمط من أنماط الحكم تصبح فيه حماية الحياة البيولوجية للسكان، من صحة، ووقاية من الأوبئة، وأمن غذائي، ورقابة صحية، وإدارة للمخاطر، مبررًا لتوسيع سلطة الدولة.
وبالتالي، فإنّ من يملك في لبنان مصادر التمويل والاستثمار وإعادة الإعمار يمتلك قدرة أكبر على توجيه القرار السياسي. وهذا ما لن تسمح مفاوضات روما بأن يكون خارج إطار السيادة اللبنانية.
الجمهورية الثالثة بدأت. فمن يكتب العقد الوطني القادم؟
الإجابة أكثر من واضحة. فمن لا يجد دورًا لنفسه في وطنه، لا يستطيع أن يشكّل أيّ دور لغيره. ومن هنا بالتحديد نستطيع القول إنّ الجمهورية الثالثة بدأت عمليًا، ولكن من دون إعلان رسمي. فالتغييرات الفعلية تسبق دائمًا التعديلات الدستورية. لقد سقط التقليد السياسي، والعجزة الذين يقودون المستقبل لن يتمكّنوا من التعامل مع الأزمات الوجودية بالأدوات القديمة، لأنّ كل حلولهم أصبحت خارج السياق التاريخي ومحكومة بالفشل.
لكنّ إشكالية هذا المسار المقبل تكمن في أنّنا نعيش انهيارًا غير معلن في الأمن المائي، والغذائي، والاجتماعي، في ظل أزمة عالمية في المناخ والجفاف، هي التي سترسم تحالفات المنطقة رغمًا عن إرادة قادتها. فالمسائل كلّها تخطّت المطروح في الاتفاق الإطاري، وهو أبعد من القرار 1701، وصولًا إلى الكيان الجديد الحتمي.
من سيكتب العقد الوطني القادم؟ وهل سيكتبه اللبنانيون بإرادتهم الحرة، أم ستفرضه موازين القوى الإقليمية والدولية الجديدة؟ وأيّ لبنان سيولد بعد انتهاء الحقبة الحالية؟ ومن سيكون صاحب القرار في رسم هويته ووظيفته ومستقبله؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير