
كاتب سياسي
خاص بوابة بيروت
في السياسة، ليست كل المعارك عسكرية، وليست كل الانتصارات تُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات. أحياناً، تبدأ التحولات الكبرى من منصة مؤتمر صحفي، أو من عبارة محسوبة، أو من زيارة تبدو بروتوكولية في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها ما يكفي لإعادة رسم خرائط النفوذ.
لهذا، فإن من يقرأ زيارة الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون إلى أنقرة باعتبارها زيارة ثنائية تقليدية، يكون قد قرأ نصف المشهد فقط. أما النصف الآخر، فهو أن لبنان عاد فجأة إلى قلب معادلة إقليمية جديدة، تتجاوز حدوده بكثير.
لسنوات طويلة، كان لبنان ساحة يتصارع فوقها الآخرون. إيران جعلته أحد أهم ميادين مشروعها الإقليمي عبر سلاح خارج سلطة الدولة، وإسرائيل تعاملت معه باعتباره جبهة أمنية مفتوحة تُدار بمنطق الردع والعمليات العسكرية. وبين المشروعين، كانت الدولة اللبنانية هي الخاسر الأكبر.
اليوم، يبدو أن هذه المعادلة بدأت تتعرض لاختبار حقيقي. فالمؤتمر الصحفي في أنقرة لم يحمل خطاباً تصعيدياً، لكنه حمل ما هو أخطر في السياسة، طرح بديلاً.
البديل الذي تحدث عنه الرئيس التركي، بحضور الرئيس اللبناني، يقوم على دعم الدولة اللبنانية، وتعزيز الجيش اللبناني، والمساهمة في إعادة الإعمار، بما يعيد للمؤسسات الشرعية دورها الطبيعي. وهذه ليست مجرد عبارات دبلوماسية، بل تعكس مقاربة تختلف جذرياً عن منطق إدارة لبنان عبر السلاح أو عبر الاحتلال.
وهنا تحديداً تكمن أهمية اللحظة.
فالشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكيل لا تشبه ما عرفناه خلال العقدين الماضيين. وإذا كان العقد السابق قد شهد صعود مشاريع الميليشيات، فإن المرحلة الحالية تبدو أقرب إلى إعادة الاعتبار للدولة الوطنية.
ومن يراقب حركة الإقليم يلحظ وجود تقارب متزايد بين الولايات المتحدة وعدد من الدول العربية والإقليمية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وجمهورية مصر العربية، وتركيا، حول فكرة مركزية، لا استقرار دائماً في المنطقة ما دامت الجيوش النظامية تنافسها تنظيمات مسلحة، وما دامت قرارات الحرب والسلم تُتخذ خارج مؤسسات الدولة.
لقد أثبتت التجربة أن مشروع “محور المقاومة”، رغم شعاراته الكبرى، لم ينجح في بناء دولة مستقرة أو اقتصاد مزدهر في أي من الساحات التي تمدد إليها. وفي لبنان، دفع المواطن الثمن من أمنه واقتصاده ومستقبل أبنائه، بينما بقيت الدولة عاجزة عن ممارسة سيادتها كاملة.
لكن في المقابل، فإن أي مشروع إقليمي يفقد مشروعيته أيضاً إذا تجاهل حقيقة أن الاحتلال لا يمكن أن يكون أساساً دائماً للاستقرار. فكما أن السلاح خارج الدولة يقوّض السيادة، فإن استمرار الاحتلال وفرض الوقائع بالقوة يقوّضانها أيضاً. والالتزام بالقانون الدولي يجب أن يكون معياراً واحداً على الجميع، لا قاعدة تُطبَّق على طرف وتُستثنى منها أطراف أخرى.
من هنا، يمكن قراءة الرسائل التي خرجت من أنقرة. فالحديث عن دعم الجيش اللبناني، وإعادة الإعمار، ومساندة الدولة، يعني عملياً العمل على سحب الذرائع التي استُخدمت لسنوات لتبرير استمرار الفوضى، سواء من قبل الميليشيات أو من قبل الاحتلال.
إنها محاولة لإعادة الجنوب إلى حضن الدولة، لا إلى محور جديد.
وربما لهذا السبب اكتسبت الزيارة اهتماماً يتجاوز بعدها اللبناني. فلبنان لم يعد يُنظر إليه كساحة لتصفية الحسابات، بل كجزء من مشروع أوسع لإعادة بناء التوازن الإقليمي على قاعدة الدولة، لا الميليشيا، والمؤسسات، لا المحاور والاقتصاد، لا الحروب.
قد ينجح هذا المسار، وقد يواجه مقاومة شديدة من القوى التي ازدهرت في ظل الفوضى، لكن من الصعب إنكار أن المنطقة تتحرك في اتجاه مختلف.
فالتحولات التي نشهدها في سوريا، والانفتاح العربي المتزايد، والتنسيق بين العواصم المؤثرة، ومحاولات إعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية، كلها مؤشرات إلى أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة جديدة.
إنها ليست حرباً بين السنّة والشيعة، كما يحاول البعض تصويرها، بل مواجهة بين منطق الدولة ومنطق التنظيمات المسلحة، وبين مشروع يسعى إلى احتكار الشرعية داخل المؤسسات، ومشاريع قامت على تعدد مراكز القوة خارجها.
ولعل الرسالة الأبلغ التي خرجت من أنقرة هي أن مستقبل لبنان لن يُبنى بشعار المقاومة وحده، ولا بمنطق الاحتلال وحده، بل بقيام دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم، وتحظى بدعم عربي ودولي يعيدها إلى مكانها الطبيعي.
وحين تصبح الدولة هي اللاعب الأقوى، يفقد كل سلاح خارجها مبرر وجوده، كما يفقد كل احتلال حجته في البقاء.
عندها فقط، لا يكون لبنان قد انتقل من محور إلى آخر، بل يكون قد عاد إلى نفسه.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير