روما “٢”… اختبار الدولة لا اختبار الجنوب

خاص بوابة بيروت

للمرة الأولى منذ سنوات، لا يقف لبنان أمام استحقاق تفاوضي يرسم حدود وقف إطلاق النار، بل أمام استحقاق يحدد ما إذا كانت الدولة ستستعيد وظيفتها الطبيعية أم ستبقى تدير تداعيات الحروب.

فبين روما “٢” والميدان الجنوبي، لا يُختبر ميزان القوى فحسب، بل يُختبر مستقبل الدولة نفسها. هذه الجولة التي ستعيد إعادة رسم الواقع الأمني، ولكن ميدانيًّا الأمور متداخلة جدًّا. علي الطّاهر تحترق من الخارج وتختنق من الدّاخل. تهديدات ترامب لإيران باتت تهديدات أرجوحيّة. ولعلّ السبب يكمن في التوقيت الذي يناسبه، ولكن هل هذا التوقيت لا زال يناسب الواقع اللبناني؟ وهل دخل لبنان مرحلة تثبيت الدولة بدل تثبيت خطوط الاشتباك؟

ويأتي ذلك في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، حيث تتداخل المفاوضات الأميركية – الإيرانية مع ترتيبات ما بعد الحرب في المنطقة. ولذلك فإن أي تأخير لبناني في حسم خياراته قد يجعل الملف اللبناني مجرد بند ضمن تسويات أكبر، بدل أن يكون قرارًا سياديًا يصنعه اللبنانيون أنفسهم. وروما 2 هي فرصة جديدة لا يمكن تفويتها تحت ذرائع الميدان.

الجنوب بين الجمود الأمني وتعطّل الإعمار

تعيد مفاوضات روما “٢” الملفّ الأمني إلى الواجهة بعد المرحلة التجريبيّة الأولى التي لم تكن مشجّعة أبدًا. فالجنوب اللبناني بات أرضًا غير قابلة للحياة. ولا يبدو أنّ ملفّ إعادة الإعمار سيكون مطروحًا في هذه المرحلة. وذلك لأنّ الهمّ الأمني هو الذي يحظى بالاهتمام. وطالما أنّ منظّمة حزب الله تترك للجيش اللبناني مهام الاستكشاف للاكتشاف فهذا يعني عمليًّا ألّا تجاوب مع مقتضيات المرحلة، بل عراقيل ناعمة بحجّة عدم استكمال الانسحاب الاسرائيلي.

مقابل ذلك، الإسرائيلي لا زال يتذرّع بترسانة المنظّمة المطمورة. وهذا ما يجعل عودة الأهالي شبه مستحيلة في هذه المرحلة. لأنّ الاسرائيلي يتّخذ من هذه المسألة ذريعة لاستمرار وجوده. وهذا ما يجعل من تمويل أيّ عمليّة إعادة إعمار عمليّة شبه مستحيلة في ظلّ هذه الظّروف. وبالتّالي وقف إطلاق النّار الذي ما زال يهتزّ على وقع التفجيرات الاسرائيليّة شبه اليوميّة لم يكن كافيًا لعودة الحياة إلى هذه المناطق.

روما “٢”… بين تثبيت الدولة وإعادة إنتاج التصعيد

وهذا كلّه يبدو أنّه لن يبحث في روما “٢”، بل ما تمّ تسريبه للإعلام أنّ البحث سيقتضي على كيفيّة توسيع القدرة الإسرائيليّة على العمل التنظيفي في هذه المناطق كشرط أساسي للإعلان عن مناطق أخرى.

وهذا كلّه لن يكون لصالح الدّولة اللبنانيّة التي تستطيع انتزاع فتيل تفجير هذا الصاعق بقرار تنفيذيّ للمؤسّسة العسكريّة. لكن حتّى الساعة يبدو أنّ هكذا قرارات لا زالت معلّقة. فأيّ فشل في مسار روما “٢” عندها لن يعود النقاش حول آلية الانتشار، بل حول آليات جديدة لإدارة التصعيد، بما يعني إعادة إنتاج قواعد اشتباك جديدة بدل تثبيت سلطة الدولة.

فيما الواقع يبدو أنّ الدولة أمام الفرصة التاريخية، وقد لا تتكرّر في حال تفلّتت الأمور هذه المرّة. فبمجرّد ما أن تصدر هكذا قرار يعني أنّها استعادت القرار الأمني والعسكري. وهذا وحده كفيل بإبعاد الإسرائيلي ونزع الذرائع من يده. فالمشكلة لم تعد في الذريعة نفسها، بل في بقاء هذه الذريعة قائمة.

إلّا هذه الفرصة مرتبطة أوّلًا بقدرة المؤسسة العسكريّة على تثبيت انتشارها في المناطق التجريبيّة؛ وهذا ما سيدفع بروما “٢” إلى استصدار مخرجات استكماليّة للمسار الذي بدأ في روما 1. وهذا كلّه سيجبر الإسرائيلي على الانسحاب لأنّ الدّولة اللبنانيّة حاضرة في الميدان. وكل يوم تتأخر فيه الدولة عن بسط سلطتها يتحول إلى يوم إضافي يمنح إسرائيل مبررًا للاستمرار في عملياتها العسكرية، سواء كانت هذه المبررات مقنعة أم لا. وهذا ما سيسرّع إطلاق عجلة إعادة الإعمار من بوّابة فتح كوّة في جدار الأزمة الإقتصاديّة التي يزداد خناقها أكثر فأكثر كلّ يوم على رقاب المواطنين اللبنانيين كلّهم ومن دون أيّ استثناءات.

القرار السيادي والأمن مدخل الدولة والاقتصاد

لم يعد الأمن في الجنوب ملفًا عسكريًا بحتًا، بل أصبح المدخل الإلزامي لكل المسارات الأخرى. فلا إعادة إعمار من دون استقرار، ولا استثمارات من دون سيادة واضحة، ولا مساعدات دولية في ظل تعدد مراكز القرار الأمني. ولذلك فإن نجاح الدولة في هذا الاختبار لن ينعكس على الجنوب وحده، بل على الاقتصاد اللبناني بأكمله. هذه هي الطريق لتثبيت الدّولة بدل العمل والتفتيش عن قواعد اشتباك جديدة مع الإسرائيلي لتصبح بحدّ ذاتها الأجندة الأساسيّة لروما “٢”.

لكن إنصافًا لدور المؤسسة العسكريّة في عيدها فالمطلوب في هذه المرحلة بالذات ليس قرارًا عسكريًا فحسب، بل قرار سيادي تتبناه الدولة بكل مؤسساتها، لأن الجيش لا يستطيع أن يحمل وحده عبء استعادة الدولة إذا بقي القرار السياسي متردّدًا.

فروما2 إذًا المرتقب في الذكرى السادسة لتفجير الرابع من آب هو امتحان ثانٍ للدولة في التاريخ نفسه. فهو ليس مؤتمرًا أمنيًا فحسب، بل آلية لقياس مدى التزام الدولة اللبنانية بتنفيذ تعهداتها، وأن أي نجاح أو إخفاق سيترتب عليه مسار سياسي ومالي لاحق.

فإمّا أن تكون فرصة للانطلاق نحو استعادة القرار الوطني وعدم إهدار هذه اللحظة التاريخيّة، وإمّا قد تضيع هذه الفرصة التي لن يمنحها التّاريخ للبنان مرّة ثالثة. حذارِ!

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك