
مدير التحرير
ماذا لو سقطت المفاوضات ؟
خاص بوابة بيروت DrMichelCHAMMAI
أثبتت تجارب الميدان فشل الطريقة العسكريّة في ما كان يُعرف، في مراحل سابقة، بحركات المقاومة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وذلك بعدما قام الجيش الإسرائيلي بتغيير عقيدته القتاليّة، مستفيدًا من سنين ضوئيّة في تقدّمه التكنولوجي، الذي نجح بتوظيفه ضدّ كلّ الذين قاتلوه بالإيديولوجيا. فتفوّقت التكنولوجيا على الإيديولوجيا، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه.
أمّا بعد نجاح السلطة اللبنانيّة بإعادة لبنان إلى طاولة التفاوض، بعد غياب دام أكثر من أربعة عقود، فعّل محور إيران، عبر منظّمة حزب الله في لبنان، محرّكاته التعطيليّة. ولعلّ ذلك رهانًا منه على قلّة صبر المجتمع الدّولي، حيث يظنّ المحور بأنّه قد يتخلّى عن هذه الحالة التفاوضيّة بالكامل، ليعود هو بدوره ويستعيد مكتسباته بالانقضاض على هذه السلطة التي، كعادته، صنّفها في خانة العمالة.
ولعلّ هذا ما دفع أحد المسؤولين الإسرائيليين، نقلًا عن شبكة CNN، إلى التصريح: “لا مواعيد لأيّ جولة مستقبليّة من المحادثات بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركيّة”.
كما اعتبر رئيس الأركان الإسرائيلي إيّال زامير أنّ المفاوضات السياسيّة الجارية حاليًّا هي نتيجة لما وصفها بإنجازات الجيش الإسرائيلي، مؤكّدًا أنّ القوات الإسرائيليّة في حالة جاهزيّة للدفاع، وقادرة على العودة إلى القتال المكثّف.
وقال: “إنّ إسرائيل تمرّ بفترة مهمّة وتقف عند مفترق طرق استراتيجي”، مشيرًا إلى أنّ الجيش يخوض معركة كبيرة ومتواصلة ومتعدّدة الساحات. وأضاف أنّ “المهمّة الحاليّة للجيش هي التأثير على الواقع وعدم الانجرار وراءه”، مؤكّدًا مواصلة الاستعداد للتعامل مع التطوّرات والسيناريوهات المختلفة.
هذه التصريحات كلّها تشير إلى أنّ إسرائيل تحضّر بشكل جدّيّ لمرحلة إفشال المفاوضات بعدم تطبيق مخرجات روما 1 وروما 2. ولعلّ الهدف الأوّل قد يكون علي الطّاهر للانتهاء من هذا الاختراق القيادي في العمق الجنوبي. وهذا ما قد ينقل القيادة الميدانيّة العسكريّة لمنظّمة حزب الله إلى أماكن أخرى. وقد تكون تلك التسريبات الإعلاميّة عن بعض الأماكن التي بُنيت تحت القلاع الأثريّة هي المؤشّر إلى ذلك.
سقوط المفاوضات عمليًّا لن يوفّر لمنظّمة حزب الله أو محورها أيّ فرصة لالتقاط الأنفاس. فالعقيدة القتاليّة الإسرائيليّة تغيّرت كلّيًّا بعد السابع من أكتوبر. وبات عنوان العقيدة الجديدة “القوّة المفرطة”، التي تحدّث عنها نتانياهو في كتابه الصادر في العام 1993 بعنوان “مكان تحت الشمس”، حيث برّر فيه حقّ إسرائيل في الوجود. واليوم انتقل كلّيًّا إلى تكريس هذا الحقّ بواسطة هذه القوّة المفرطة.
ذلك كلّه يؤشّر إلى أنّ سقوط المفاوضات يعني إعادة فتح الساحات، ولا سيّما أنّ زامير قد أعلن أنّ جيشه يخوض معركة متعدّدة الساحات. ومن المؤكّد أنّ الأميركي لن يكون بمنأى عن الساحات التي قد تُفتح، ولا سيّما أنّ تهديدات الحوثي تصاعدت. ولمن يراقب أداء الأذرع الإيرانيّة في العقدين الأخيرين، يلاحظ تمامًا بأنّ حراكها يكون حراكًا عنكبوتيًّا في ساحات تواجدها كلّها. فهي لم تتحرّك منفردة يومًا.
يبدو أنّنا قد اقتربنا من إعادة اشتعال الساحات، ولا سيّما مع اقتراب مواعيد الانتخابات، إن كان في إسرائيل أو في أميركا. كما يبدو أيضًا أنّ سقوط المفاوضات سيكون نتيجة حتميّة لعدم قدرة مؤسّسات الدّولة اللبنانيّة التنفيذيّة على تطبيق القرارات السياسيّة للحكومة.
وحدها الدّولة اللبنانيّة، إن أصبحت فعلًا دولة، تستطيع إنقاذ الوضع، ولجم آلة الحرب الإسرائيليّة، ودفع الرّاعي الأميركي للضغط أكثر على الإسرائيلي. إن نجحت بسحب فتيل هذا الصاعق ومنعت تفجيره، فهذا يعني أنّ المفاوضات ستعود بعد الانتخابات، ولكن برؤية جديدة، ولا سيّما بعد الحديث عن طرف رابع لمراقبة آليّة التنفيذ.
الأيّام القادمة حاسمة جدًّا. والكلمة هذه المرّة انتقلت من طاولة التفاوض إلى ساحة الميدان. فهل ستستطيع الدّولة اللبنانيّة استعادة المبادرة التفاوضيّة، حيث برزت قوّتها الشرعيّة، أم ستخسر هذه الورقة، وبالتّالي قد يخسر لبنان هذه الفرصة مجدّدًا؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير