عفو عام بنكهة خاصة

خاص بوابة بيروت

مِنَ المُتعارَفِ عليه أنَّ قوانينَ العفوِ تُقَرُّ بعدَ انتهاء الحروب، أو بعدَ أفولِ مرحلةٍ مِنَ الحُكمِ الجائرِ والانتقالِ إلى مرحلةٍ جديدة. فلبنان سبقَ أن استخدمَ العفوَ كأداةٍ لإغلاقِ نزاعٍ سياسيٍّ ـ عسكريٍّ كبير، وليس فقط لتخفيفِ اكتظاظِ السجون. لذلك، لا يُعتبَرُ ما حصلَ في مجلسِ النُّوّابِ أمسِ سابقةً سياسيّة. لكن ما يجبُ طرحُه هو: لماذا أُقِرَّ قانونُ العفوِ الآنَ، في هذه المرحلة؟

سوابق لبنانيّة

بعدَ خمسةٍ وثلاثينَ عامًا تقريبًا على آخرِ عفوٍ عامٍّ شامل، أُقِرَّ قانونُ العفو. ومِنَ المفيدِ التذكيرُ بأنَّ لبنان لجأَ إلى العفوِ في محطّاتٍ مفصليّةٍ مِن تاريخِه، أبرزُها قانونُ 24 كانونَ الأوّلِ 1958، الذي جاءَ في أعقابِ أحداثِ 1958، ثمَّ قانونُ 8/69 في أعقابِ مرحلةِ الاضطراباتِ التي رافقت حربَ حزيرانَ 1967، وصولًا إلى القانونِ 84/1991، الذي أُقِرَّ بعدَ انتهاء الحربِ الأهليّة، ومنحَ عفوًا عامًّا عن الجرائمِ المرتكَبةِ قبلَ 28 آذارَ 1991، في محاولةٍ لطيِّ صفحةِ الحربِ وإعادةِ تثبيتِ السِّلمِ الأهلي. ثمَّ عادَ المشرِّعُ إلى قوانينَ عفوٍ ذاتِ نطاقٍ أكثرَ تحديدًا، ومنها قانونُ 666/1997 المتعلّقُ بجرائمِ المخدّرات، وقانونُ 677/2005 الذي شملَ سمير جعجع ورفاقَه.

مِن هنا، يتّضحُ أنَّ قوانينَ العفوِ في الحياةِ السياسيّةِ اللبنانيّةِ لم تكن يومًا مجرّدَ إجراءٍ قضائيٍّ، بل غالبًا ما كانت أداةً لإغلاقِ مرحلةٍ مِنَ الصراعِ وفتحِ مرحلةٍ جديدة. وهذا ما يشيرُ اليومَ إلى أنَّ ما حصلَ يُثبّتُ فعليًّا أنَّنا بتنا في مرحلةٍ جديدة.

ملفُّ الأسير

وليس دقيقًا القولُ إنَّ قانونَ العفوِ العامِّ الذي أقرَّه مجلسُ النُّوّابِ اليومَ قد شملَ الشيخَ أحمدَ الأسيرَ وأفضى إلى إطلاقِه فورًا؛ فملفُّه، المرتبطُ بأحداثِ عبرا، يتضمّنُ أحكامًا وملفّاتٍ قضائيّةً لا تنطبقُ عليها آليّةُ الإفراجِ الفوريِّ التي نصَّ عليها القانون. وعليه، فإنَّ إدراجَ الموقوفينَ الإسلاميينَ ضمنَ بعضِ أحكامِ العفوِ لا يعني تلقائيًّا شمولَ الأسيرِ بها، بل تبقى استفادتُه، إن وُجدت، مرتبطةً بطبيعةِ الأحكامِ والجرائمِ المنسوبةِ إليه، وبالمسارِ القضائيِّ لملفِّه. وبحسبِ تصريحاتٍ لموكِّلِه القانوني، سيتمُّ متابعةُ موضوعِه سياسيًّا وقضائيًّا حتى الوصولِ إلى النهايةِ المرجوّة.

ولهذا، اعتبرت أوساطٌ قانونيّةٌ أنَّ وصفَه بالعفوِ العامِّ بالمعنى المطلقِ يحتاجُ إلى تدقيق، لأنَّ العفوَ لا يشملُ جميعَ السجناء. والنقطةُ الأكثرُ إثارةً سياسيًّا هي خفضُ مدّةِ التوقيفِ التي تتيحُ إخلاءَ السبيلِ مِن 14 إلى 12 سنة، وهو التعديلُ الذي جعلَ الصيغةَ النهائيّةَ مختلفةً جوهريًّا عن صيغةِ اللجانِ المشتركةِ في أيّار.

تجارب دوليّة

وليست التجربةُ اللبنانيّةُ استثناءً؛ فقد استخدمت إسبانيا وجنوبُ أفريقيا وأيرلندا الشماليّة وكولومبيا العفوَ ضمنَ مساراتِ المصالحةِ والانتقالِ السياسي، فيما تحوّلَ في تشيلي إلى نموذجٍ تحذيريٍّ بسببِ تكريسِه الإفلاتَ مِنَ العقاب. وهكذا تتراوحُ التجاربُ بينَ عفوٍ يطوي الماضي، وآخرَ يواجهُه بالمصالحةِ والحقيقة، وثالثٍ قد يتحوّلُ إلى غطاءٍ لغيابِ العدالة.

الفرصة الإصلاحيّة

ومِن هنا، أهميّةُ هذا القانونِ ليست فقط في الذين سيُنصِفُهم، أو بعضِ الذين سيستفيدونَ على هامشِه بمفاعيلِه، بل في عدمِ تحوُّلِه إلى تسويةٍ سياسيّةٍ جديدة، وعدمِ قدرةِ المؤسّساتِ القانونيّةِ والدستوريّةِ على ترجمتِه وتحويلِه إلى فرصةٍ إصلاحيّةٍ للعدالةِ المسجونةِ في سجونٍ غيرِ عادلة. فالعفوُ يمكنُ أن يُغلِقَ ملفًّا قضائيًّا، لكنّه لا يستطيعُ وحدَه أن يُغلِقَ جرحًا وطنيًّا لم يُعالَجْ بعد.

تبدّل الموازين

وما حصلَ في المجلسِ النيابيِّ يؤكّدُ مرّةً جديدةً أنَّ موازينَ القوى في لبنانَ والمنطقةِ قد تبدّلت، وهذا ما أدّى إلى نجاحِ إقرارِ هذا القانون. فالرافضونَ والمزايدونَ بمحبّتِهم وحرصِهم على كرامةِ الجيشِ اللبنانيِّ هم أنفسُهم هتكوا كرامةَ الجيشِ في تآمرِهم عليه، بمصادرةِ قرارِه الحرِّ وتعنّتِهم في عدمِ التعاونِ معه في تطبيقِ قراراتِ الحكومةِ السياسيّة.

هذا ناهيكَ عن الاغتيالِ المعنويِّ لصورةِ الجيشِ اللبنانيِّ الذي ما فتئَ هؤلاءِ جميعُهم يمارسونَه طوالَ هذه العقودِ المنصرمة، بإظهارِه في موقعِ الضعيفِ لتشويهِ صورتِه وحقيقتِه في اللاوعيِ الوطني، لتبريرِ نظريّاتِهم بالوجودِ فوقَ الدولةِ ومؤسّساتِها الشرعيّة.

نهاية الحكم

مِن هذا المنطلق، شكّلَ هذا القانونُ مسمارًا جديدًا في نعشِ الحكمِ السابقِ الذي تسبّبَ، مِنَ الأساسِ، بهذه الكارثةِ الإنسانيّةِ أوّلًا، والمجزرةِ القضائيّةِ ثانيًا. وما يؤكّدُ هذا المسارَ قراءةٌ مقارنةٌ مع القوانينِ التي أُقِرَّت في السابق، بغضِّ النظرِ عن أيِّ موازينِ قوى أنتجتْها، لكنَّ هذه العمليّةَ تثبتُ أنَّ الموازينَ التي أدّت إلى إقرارِ هذا القانونِ إنّما جاءت نتيجةَ التبدّلِ الواضحِ في موازينِ القوى التي تحكّمت في لبنانَ منذُ العامِ 1990 وحتّى اليوم.

فمَن كان قادرًا، بالحدِّ الأدنى، على التعطيلِ بدأ يفقدُ قدرتَه هذه، بغضِّ النظرِ عن أنَّ هذا القانونَ لم يكن عفوًا شاملًا عن الجرائمِ والسجناءِ كلِّهم، لأنَّه تضمّنَ قائمةَ استثناءاتٍ واسعة. لذلك، بدا أقربَ إلى صيغةٍ مركّبةٍ من: عفوٍ عامٍّ عن فئاتٍ محدّدة، وتخفيضٍ استثنائيٍّ للعقوبات، ومعالجةٍ للموقوفينَ الذين طالَ توقيفُهم، وتسويةٍ لبعضِ الغرامات.

الفجوات الثلاث

يبقى أنَّ ما سيلي هذا المسارَ التشريعيَّ لن يكونَ أقلَّ منه. فبعدما تمَّ سدُّ الفجوةِ القضائيّة، هل ينجحُ هذا المجلسُ في سدِّ الفجوةِ الماليّة؟ ولعلَّ الأخطرَ مِن ذلك كلِّه الفجوةُ السياديّةُ التي يبلغُ عمقُها أكبرَ مِن عمقِ خندقِ «ماريانا»، الذي يُعرَفُ أيضًا بـ«Challenger Deep» ففي ظلِّ التعثّراتِ التي اعترتِ الجولاتِ التفاوضيّةَ الأخيرةَ وترحيلِ تابعاتِها إلى أيلولَ المقبل، مقابلَ الرضوخِ لتبعاتِها بشكلٍ يوميٍّ في الميدان، هل ستستطيعُ هذه الدولةُ الصمود؟

أم أنَّ الرضوخَ لمفاعيلِ الميدان، الذي باتَ سقوطُه حتميًّا، قد يؤدّي إلى مسارينِ أحلاهُما أمرُّ مِنَ الثاني: إمّا العودةُ إلى سلبطةِ إيرانَ وأذرعِها، وإمّا الرضوخُ لآلةِ الحربِ الإسرائيليّةِ الرافضةِ الانكسارَ والرضوخَ بدورِها للتقيّةِ الإيرانيّة؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك