
مدير التحرير
الانتقال الطّوعي أم الانتقال بالنّار؟
خاص بوابة بيروت
المؤشّرات كلّها توحي بأنّنا انتقلنا عمليًّا إلى عقيدة جديدة للحكم في المنطقة. فبعدما كان مبدأ الازدواجيّة بين الدّولة والميليشيا هو السائد، هذه الدّولة بالذات التي تحوّلت إلى منظومة مافيا، تعاونت مع مسميات “المقاومة” بأشكالها المختلفة، تشير التطوّرات المتسارعة بسقوط هذه العقيدة التي حكمت المنطقة وتحكّمت بها طوال أكثر من أربعة عقود من اليمن إلى العراق وصولًا إلى لبنان.
وفي هذا السياق برز الكلام العالي السقف لرئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أمام قيادات وممثّلي المؤسسات الإعلامية اليمنية التي أُلقيت أمس الأوّل وتصدّرت التغطية الإعلاميّة بشكل لافت حيث اعتبر العليمي أنّ المعادلة التي تبدو آخذةً في التبلور في المنطقة لم تعد «الدولة والميليشيا»، ولا «الهدنة مقابل الهدنة»، بل «السلام مقابل إنهاء ازدواجية السلاح». وهي، في جوهرها، نهايةٌ تدريجية لمرحلة الدولة القاصرة أمام الميليشيا القوية، وانتقالٌ إلى منطق الدولة صاحبة القرار الوحيد في الحرب والسلم.
هذا ما يؤكّد مجدّدًا أنّ القرار قد حسم. الدّور العسكري يجب أن ينتهي. ولكن الإشكاليّة تكمن في كيفيّة إنهاء هذا الدّور. إن كانت الدّولة في العراق أو اليمن قادرة على ذلك، فهل الدّولة في لبنان قادرة على إنهاء دور حزب الله ولا سيّما أنّ الاحتلال الإسرائيلي بلغ الـ 700 كم² من جنوب لبنان؟ حتّى باتت هذه المساحة مساحة خالية من السكان، والجيش الاسرائيلي ماضٍ قدمًا بتدمير المباني.
وهذا ما أتى بعد تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 13 آب 2026، الذي كان واضحًا جدًا في ربط الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان بنزع سلاح حزب الله. وبحسب وكالة رويترز قال كاتس حرفيًّا: “لن ننسحب من المنطقة الأمنية في لبنان ما دام حزب الله لم يُنزع سلاحه، وما دام تهديد حزب الله في كل لبنان لم يُزل. وأضاف أنه أوعز إلى الجيش الإسرائيلي بالاستعداد لبقاء ممتد في المنطقة لحماية القوات والبلدات الإسرائيلية إلى أن يتحقق هذا الهدف بالكامل.
كما أدلى كاتس قبل يوم أيضًا إن إسرائيل “لن تنسحب تحت أي ظرف” من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة، وإن قواتها ستبقى فيها لحماية الإسرائيليين.
ولم تتأخّر إسرائيل لتترجم تصريحات كاتس من خلال إعلان نيّتها على الانتهاء من معضلة علي الطّاهر؛ حيث تتّجه إلى ترجمة هذا الموقف ميدانيًا عبر حسم معضلة هذا المرتفع، بعدما باتت المعطيات المتداولة في الإعلام الإسرائيلي تشير إلى أن تفكيك البنية العسكرية لحزب الله في المرتفع بات شرطًا أساسيًّا لتوسيع ترتيبات الانسحاب وإعادة الانتشار. ومع تصريح وزير الدفاع يسرائيل كاتس يبدو أن علي الطاهر لم يعد مجرد عقدة ميدانية، بل بات اختبارًا للقرار السياسي الإسرائيلي وللقدرة اللبنانية على تنفيذ قرار حصرية السلاح.
وهذا ما يؤكّد أنّ إسرائيل لم تعد قادرة على منح الدّولة اللبنانيّة المزيد من الفرص لأنّها باتت تدرك أنّ عامل الوقت إن طال، لن يكون لصالحها في المستويين السياسي والعسكري. وهذا العامل الوحيد الذي قد يمنح منظّمة حزب الله المزيد من الأوكسيجين السياسي في الدّاخل اللبناني.
فكلّ تأخير في التنفيذ لبنانيًّا يوسّع المسافة بين القرار السياسي والقدرة على فرضه. ولا سيّما بعد الخلاف الذي يتبدّى إلى العيان على خلفيّة الجلسة التشريعيّة بين وزير الدّفاع ورئيس الحكومة اللبنانيّة الذي أظهر اصطفافًا عسكريًّا جنبه لا يُعرَف حتّى الساعة كيف ستتمّ ترجمته.
وهذا ما سيمنح إسرائيل ذريعةً إضافية للاستمرار في عملياتها العسكرية، ولا سيّما في محيط علي الطاهر، الذي تحوّل إلى نقطة حسّاسة في المعادلة الميدانية والتفاوضية. وذلك بعد المقاربة الإسرائيليّة انطلاقًا من العقيدة الجديدة التي تؤكّد يومًا بعد يوم أنّ زمن الانتظار القاتل قد انتهى، والعمل بات يقتصر على تحديد ساعة الصفر. وهذا ما سيحوّل المواجهة في لبنان إلى مواجهة مفتوحة على كامل الأراضي اللبنانيّة، لتكون الكلمة الفصل للقوّة المفرطة الإسرائيليّة.
ولا أعتقد أنّ الإسرائيلي مستعدّ لمنح منظّمة حزب الله فرصةً لإعادة صياغة ما جرى بوصفه «ملحمةً في الصمود والتصدّي». وطالما بقيت الدّولة اللبنانيّة عاجزة كما هو الحال راهنًا؛ ستبقى المعادلة نفسها قائمة: دولةٌ تريد أن تحكم، وميليشيا تملك القدرة على منعها، وإسرائيل تملك في المقابل ذريعةَ التدخّل كلما اعتبرت أنّ الدولة عاجزة عن القيام بمهمّتها. فالإرادة وحسن النّيّة وحدهما غير كافيين.
أمام هذا الواقع، وهذه الدّولة التي لا زالت عاجزة أمام تعنّت الميليشيا، وأمام هذه الموجة التغييريّة الانتقاليّة في المنطقة من العقيدة التي كانت حاكمة طوال هذه المدّة، بات من المؤكّد أنّ هذه المرحلة باتت في أمتارها الأخيرة، فهل يملك لبنان الدّولة العمليّة، الجرأة قبل القدرة، للانتقال الطّوعي إلى مرحلة الدّولة الفعليّة، قبل أن تفرض إسرائيل ذلك بالنّار؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير