خاص بوابة بيروت
استوقفني المقال الذي كتبه نقيب المحامين السابق في بيروت الأستاذ ناضر كسبار حول مخصصات النواب وتقاعدهم، لما يطرحه من سؤال يستحق أن يتجاوز حدود النقاش حول الأرقام: هل النيابة وظيفة دائمة حتى يكون لها تقاعد دائم، أم أنها وكالة شعبية مؤقتة تنتهي بانتهاء الولاية؟
يأتي هذا السؤال في وقت يثير فيه الحديث عن رفع مخصصات النواب إلى حدود 5000 دولار استياءً واسعًا لدى اللبنانيين، في ظل انهيار معيشي واقتصادي جعل الفجوة بين المواطن وأصحاب القرار أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
لا أحد يعترض على أن يحصل النائب على مخصصات تليق بمسؤوليته وتمكّنه من أداء مهمته بكرامة واستقلال. لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الولاية: لماذا تتحول خدمة نيابية لسنوات محددة إلى راتب تقاعدي مستمر من المال العام؟
وتزداد المفارقة أن النائب يستطيع، وفق الأطر القانونية، الاستمرار في ممارسة مهنته الخاصة، كالمحاماة أو الطب أو الأعمال، خلال ولايته. فإذا كان يحتفظ بمصدر دخله المهني، فما المبرر لتحويل انتهاء مهمته النيابية إلى امتياز مالي دائم؟
وتعيدنا هذه المسألة إلى عام 1974، حين شُرّعت هذه الامتيازات في سياق حالة فردية ذات طابع إنساني. لكن ما كان استثناءً في حينه تحوّل مع مرور الزمن إلى قاعدة، وأصبح اليوم بحاجة إلى مراجعة جدية، خصوصًا في دولة تعاني من أزمة مالية خانقة.
الحل ليس حرمان النائب من حقه، بل إعادة تعريف هذا الحق.
لماذا لا يُستبدل الراتب التقاعدي بـ تعويض نهاية خدمة يُحتسب وفق سنوات الخدمة النيابية الفعلية؟
بهذا يحصل النائب على حقه عن السنوات التي أمضاها في خدمة الناس، بينما تتوقف الخزينة عن دفع امتياز دائم بعد انتهاء الولاية.
إنها معادلة بسيطة: لا نحرم النائب من حقه… ولا نحول هذا الحق إلى امتياز أبدي.
لبنان الذي يطلب من مواطنيه تحمل الضرائب والرسوم والتقشف، يحتاج قبل كل شيء إلى عدالة تبدأ من أعلى الهرم.
فالإصلاح لا يكون دائمًا بزيادة ما يدفعه المواطن، بل أحيانًا بإنهاء ما لا يجوز أن يستمر من امتيازات.
النيابة وكالة شعبية مؤقتة، وليست وظيفة أبدية.
وإلغاء التقاعد النيابي واستبداله بتعويض نهاية الخدمة ليس استهدافًا للنواب، بل خطوة نحو قانون أكثر عدالة، ومال عام أكثر حماية، وثقة أكبر بين المواطن والدولة.
والفضل في إعادة فتح هذا النقاش يعود إلى الأستاذ ناضر كسبار، الذي أثار هذه المسألة وفتح الباب أمام نقاش أوسع حول عدالة الامتيازات النيابية وحدودها.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير