“عم علّم لكم كامل”

المقال الأول في الصحافة اللبنانية والعربية

بقلم موشيه يائير المتوالي – خاص بوابة بيروت

دأب الثنائي “حركة أمل” و”حزب الله” على الترويج لسردية أن الشيعة كانوا، في ظلّ الإقطاع السائد في مناطقهم، محرومين من التعليم. وأن العائلات الإقطاعية، كعائلة آل الأسعد في جبل عامل، لم تنصرف أثناء مشاركتها السياسية في الدولة، إلى تأمين التعليم للشيعة كحق من حقوق المواطنة الإجتماعية. وانتشرت رواية “عم علّم لكم كامل” المنسوبة إلى الزعيم الشيعي آنذاك أحمد بيك الأسعد، وفيها زَعْمٌ أن الأهالي قصدوه في دارته بهدف مطالبته ببناء المدارس في مناطقهم ليتمكّنوا من إرسال أبنائهم إليها وتعليمهم فيها. ولكن البيك أجاب قاصديه أن لا حاجة لهم بالمدارس طالما أنّه يعلّم ابنه كامل، فلماذا يصرّون على تعليم أبنائهم، بينما يتعلّم كامل وسيكون البيك عليهم!

طبعًا، نعتقد أن هذا الحديث الوارد في صحيح الثنائي عن أحوال الشيعة في جبل عامل، غير واقعي إذ إنه لا يعكس الحال القائمة في قرى وبلدات الجنوب في ذلك الوقت، ولا يعكس نظرة المجتمع المحلّي للمدارس. ففي حين استمرّت الإرساليات بالعمل في كافة المناطق اللّبنانية، ومنها تلك التي يوجدُ فيها شيعة، بقيت الإرساليات في مناطق الشيعة بين استقبال خجول وتحفّظ علني حاد وتهجّم واتهام. ولا علاقة للزعماء السياسيين كأحمد الأسعد في ذلك، بل أثار وجودُ تلك الإرساليات حفيظةَ بعض رجال الدين، كالسيد عبدالحسين شرف الدين. ويُنقل عنه قوله إن “المستعمر مختبئ وراء معاهده وإرساليّاته بتوجيه خبيث وتربية سيّئة ومَكْرٍ مَسْموم”. وكان ما يصدر عن السيد شرف الدين بمثابة بثّ أجواء مشحونة بوجه الإرساليات مع ربطها بـ “مخطّط استعماري تعليمي” وقيام “جيل عربيّ منحلّ”، كما وصفه. حتى أنَّه ذهَبَ أبعد من ذلك ليعتبرَ أن “الجهل أقلّ ضررًا من هذه المعارف “أي المدارس” الموبوءة”، على حدّ زعمه وتوصيفه. ثم عاد وغيّر رأيه وأرسل نجله جعفر إلى مدرسة الروم الكاثوليك.

وكان من الطبيعي، إزاء كل هذا التحفّظ الذي يرقى إلى التحريض، انكفاء الإرساليات عن التمدّد في مناطق الشيعة وعدم فتح المدارس فيها بنفس الوتيرة التي شهدتها باقي المناطق. والسبب هنا يعود إلى تمنّع بعض رجال الدين الشيعة وتحفّظهم وردود فعلهم الحادّة، وليس سرديّة الحرمان والمظلومية في ظلّ الإقطاع السياسي.

واستغلّ الثنائي “حركة أمل” و”حزب الله” سردية الحرمان والمظلومية، وتمّ الترويج لها في الوعي العام الشيعي وتمثلات الأفراد انطلاقًا من مرويّات شائعة لتوفير شرعية ناقصة وغطاء مطلوب للانقضاض على تمثيل الطائفة الشيعيّة واحتكاره والتسويغ له تحت ذريعة الحرمان والمظلومية…

وعلاوة على ذلك، ينقض سردية الحرمان المزعوم واقعٌ وأرقام. إذ توسّعت المدارس الرسمية، الابتدائية بشكل أولي والمتوسطة، على امتداد جغرافيا انتشار الشيعة في لبنان. وفي نهاية الخمسينات، بدأ افتتاح مدارس ثانوية في مراكز الأقضية أو تحويل المتوسطات إلى ثانويات. كما قامت ثانويات في المراكز التي وفَدَ إليها الشيعة بفعل نزوحِهم إلى ضواحي بيروت الشرقية والجنوبية.

وبعد عقدين على الاستقلال والسياسة التربوية القائمة على التوسع في التعليم في المناطق، بلغت في الستينات نسب تعليم الشيعة في المدارس الرسمية حوالي 27 في المئة من تلاميذ المرحلة الابتدائية و18 في المئة من طلاب المدارس الثانوية، بحسب مؤشرات واردة في دراسة مرجعية حول النظام التربوي في لبنان آنذاك. وما بين عامَي “1932 – 1942″، تراجعت نسب الأمية لدى أبناء الشيعة إسوة بغيرهم من الطوائف، بحسب وثيقة صادرة في أيار “1966” عن اللجنة الأسقفية للتعليم الكاثوليكي، واردة في كتاب الباحث منير بشور، بعنوان بنية النظام التربوي في لبنان، منشورات الجامعة الأميركية في بيروت، عام “1973”.

تدحض هذه المرافعة السريعة، بشكل لا يقبل التدليس، ما روّج له الثنائي حركة أمل – حزب الله لاحقًا من سرديّة تقوم على الحرمان والمظلومية تجاه الدولة وتجاه خصومهم من العائلات التقليدية الشيعية تارةً بزعم أن الدولة حرمت الشيعة وطورًا بزعم أن “كامل” وحده تعلّم عن كلّ الشيعة!

المقال المقبل للمؤلّف موشي يائير المتوالي بعنوان “عتّالون عالبور”… الأسبوع المقبل في منصّة بيروت تايم

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك