ماذا سيقول سمير جعجع غدًا؟

بين الشهادة وواقع لبنان وبناء المؤسسات، ستسعى كلمة جعجع إلى رسم خطّ واحد يربط الماضي بالحاضر والمستقبل. لكن نجاح هذا الخطاب سياسيًّا لن يتوقف فقط على قوة الرواية أو وضوح الموقف، بل على قدرته على الإجابة عن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على الجميع : إذا كان هناك توافق متزايد على أن لبنان يحتاج إلى دولة فعلية، فما هي الخطوات الواقعية والسياسية التي يمكن أن تنقل البلاد من مرحلة الانتظار إلى مرحلة التنفيذ؟

خاص بوابة بيروت

يحتفل حزب «القوات اللبنانية» يوم غد بذكرى شهداء المقاومة اللبنانية وشهداء الحزب، على ما جرت العادة منذ تسعينيات القرن الماضي. إلا أنّ هذه المناسبة لم تكن، بالنسبة إلى «القوات»، مجرد احتفال تأبيني أو محطة وجدانية في روزنامة الحزب، بل تحوّلت مع مرور السنوات إلى مناسبة سياسية سنوية يعرض فيها سمير جعجع رؤيته للمرحلة، ويرسم من خلالها الاتجاه الذي يريد للحزب أن يسلكه في الأشهر التالية.

اعتاد جعجع أن يبدأ من تكريم الشهداء، لكنه غالبًا ما ينتهي إلى الحاضر والمستقبل. وهذا ما يمنح المناسبة خصوصيتها السياسية؛ إذ تتحول الذاكرة إلى مدخل لقراءة الواقع، وتتحول التضحيات إلى إطار يشرح من خلاله الحزب خياراته السياسية الحالية.

أما هذه السنة، فتأتي الذكرى في ظروف مختلفة عن السنوات السابقة. فـ«القوات اللبنانية» ترى أنها حققت خلال المرحلة الأخيرة مجموعة من المكاسب السياسية التي كانت تبدو، في مراحل معينة، بعيدة المنال. وفي المقابل، لا تزال البلاد تواجه أزمة عميقة في مسألة السلطة والسلاح والمؤسسات، ما يجعل الاحتفال هذه السنة واقعًا بين شعور بالإنجاز وبين إدراك أن الطريق إلى تحقيق المشروع الذي تطرحه «القوات» لم يكتمل بعد.

وبحسب ما أفاد مصدر قواتي رفيع المستوى في حديث خاص لـ«بوابة بيروت»، فإن كلمة جعجع ستتمحور حول ثلاثة عناوين أساسية: الشهادة وفلسفة الشهادة، واقع لبنان السياسي وضرورة الخروج من مرحلة الانتظار، ثم الانتقال إلى دولة المؤسسات.

الشهادة: من الذاكرة إلى المشروع

المحور الأول سيكون الشهادة وفلسفة الشهادة. وهو عنوان طبيعي في مناسبة مخصصة لشهداء المقاومة اللبنانية وشهداء الحزب، لكنه يحمل بالنسبة إلى «القوات» معنى سياسيًا يتجاوز البعد العاطفي.
ففي الخطاب القواتي، لا تُقدَّم الشهادة باعتبارها حدثًا من الماضي، بل باعتبارها جزءًا من مشروع مستمر. لذلك رفعت القوات في السابق شعارًا لها “المسيرة مستمرّة”. والسؤال الذي سيحضر هنا هو: من أجل أي لبنان سقط هؤلاء؟

هذا السؤال يسمح لجعجع بالربط بين الماضي والحاضر. فالتضحيات التي يستذكرها الحزب تُقدَّم باعتبارها مرتبطة بمشروع الدولة والسيادة والاستقلال، من هنا يأتي الشعار المعتمَد هذا العام ” فجر السيادة”. وبالتالي يصبح استمرار العمل السياسي، في الرواية القواتية، امتدادًا لما بدأه الذين سقطوا.

لكن هذا الربط بين الذاكرة والمشروع السياسي يحمل أيضًا تحديًا. فكل الأحزاب التي خرجت من تاريخ الحرب اللبنانية تمتلك ذاكرة خاصة بها وشهداء ورواية عن التضحيات. أما الاختبار الحقيقي لأي خطاب يستند إلى الذاكرة، فيبقى قدرته على تحويلها إلى مشروع وطني جامع، لا إلى ذاكرة حزبية مغلقة. ومن هنا، سيكون مهمًا مراقبة ما إذا كان جعجع سيكتفي بتقديم الشهادة في إطار القوات وحدها، أم سيحاول توسيعها لتصبح جزءًا من سردية وطنية أوسع. والأبعد من ذلك إذا ما كان جعجع سيقدّم الشهادة القوّاتيّة كفعل وطنيّ لبناء هذا الوطن الذي لم يولد بعد.

لبنان: هل انتهى زمن الانتظار؟

أمّا المحور الثاني من خطاب جعجع، ودائمًا بحسب المصادر القوّاتيّة، فسيكون واقع الحال في لبنان وضرورة إنهاء مرحلة الانتظار.

فبعد سنوات طويلة من الأزمات والانهيارات والشلل السياسي، يبدو أن هناك قناعة متزايدة لدى شرائح واسعة من اللبنانيين بأن المشكلة لم تعد في تشخيص الأزمة. فالجميع تقريبًا يتحدث عن الدولة والإصلاح والسيادة، لكن الفجوة الكبرى تبقى بين اتخاذ القرارات وتنفيذها.

وهنا من المتوقع أن يركز جعجع على فكرة أساسية: أنّ ما تحقّق حتى اليوم ليس بالقليل، لكن لا يجوز أن يبقى لبنان في «غرفة الانتظار». فالقرارات، في النهاية، لا تُقاس بقيمتها السياسية فقط، بل بقدرتها على التحول إلى واقع.

وفي صلب هذا المحور، سيبرز موضوع السلاح غير الشرعي، وعلى رأسه سلاح «حزب الله». فـ«القوات اللبنانية» تعتبر أن الوصول إلى دولة فعلية يستحيل في ظلّ وجود قوة عسكريّة خارج إطار الدولة، وأنّ ازدواجية القرار الأمني والعسكري تشكّل أحد أبرز العوائق أمام بناء سلطة مركزيّة قادرة على ممارسة سيادتها.

لكن هذه المسألة، رغم وضوحها في الخطاب السياسي، تبدو أكثر تعقيدًا في الواقع. فالمطالبة بحصر السلاح بيد الدولة تحظى بسند دستوري وسياسي واسع، إلا أن السؤال الأصعب يبقى في كيفية الانتقال من المبدأ إلى التنفيذ، خصوصًا في ظلّ التوازنات الداخلية والتعقيدات الإقليميّة والارتباط الوثيق بين ملف «حزب الله» بالصراعات الدائرة في المنطقة.

لذلك، فإن أهمية خطاب جعجع لن تكون فقط في إعادة التأكيد على موقفه المعروف من السلاح، بل في ما إذا كان سيقدم تصوّرًا سياسيًّا للمرحلة التالية: كيف يمكن الانتقال من تشخيص المشكلة إلى معالجة قابلة للتحقّق، ومن شعار «قيام الدولة» إلى آليّات سياسيّة ومؤسساتيّة تضع هذا الهدف على مسار فعلي؟

من إسقاط العوائق إلى بناء المؤسسات

أما المحور الثالث والأخير، فهو الواقع المؤسساتي والانتقال إلى دولة المؤسسات.وهذا المحور بالذّات يشكل، في الواقع، الامتحان العملي للمحورين السابقين. فحتى لو جرى التوصل إلى معالجة لمسألة السلاح، فإن ذلك وحده لا يصنع دولة ناجحة. لبنان يحتاج أيضًا إلى مؤسّسات تعمل، وإدارة عامة قادرة، وقضاء مستقل، واقتصاد منظّم، وأجهزة شرعيّة تخضع لسلطة سياسيّة واحدة، وقرار عام يُتخذ داخل المؤسسات لا خارجها.

وهنا يمكن أن يبرز الخطاب المتوقع لجعجع كإعلان عن انتقال سياسي في خطاب «القوات». فمنذ سنوات، ركز الحزب على تحديد العائق الأساسي أمام قيام الدولة. أما المرحلة المقبلة، إذا أراد جعجع تقديمها بوصفها مرحلة جديدة فعلًا، فتحتاج إلى الحديث بالتفصيل عن شكل الدولة التي يريد بناءها بعد إزالة هذه العوائق.

وهذا هو الفارق بين المعارضة وبناء المشروع. فالمعارضة تستطيع أن تجمع الناس حول تحديد المشكلة، أما بناء الدولة فيتطلب تقديم إجابات أصعب: كيف تُصلح الإدارة؟ كيف يُعاد بناء الاقتصاد؟ كيف يُعزز القضاء؟ كيف تُحمى المؤسسات من المحاصصة؟ وكيف يمكن استعادة ثقة اللبنانيين بدولة فقدوا الثقة بقدرتها على حمايتهم وتأمين أبسط مقومات حياتهم؟

أسئلة مشروعة، لكنّ الإجابة عنها تكمن في قدرة جعجع وفريقه السياسي في تحويلها إلى مشاريع سياسيّة قد تشكّل عناوين المرحلة الانتخابيّة القادمة، لتبني على أساسها القوّات حملتها الانتخابيّة انطلاقًا من رؤى وطنيّة تبحث في كيفيّة خدمة الانسان اللبناني، والانتقال كلّيًّا من الصراع حول ماهيّة الدّولة.

من الانتصار السياسي إلى امتحان التنفيذ

تأتي كلمة جعجع، إذًا، في لحظة تعتبر فيها «القوات اللبنانية» أنها حققت تقدمًا سياسيًا مهمًا بفعل التحولات الداخلية والإقليمية، إلى جانب المسار السياسي الذي سلكه الحزب طوال السنوات الماضية.

ومن الطبيعي أن يحاول جعجع تقديم هذه المرحلة بوصفها نتيجة لمسار طويل من الثبات على موقف سياسي محدد، خصوصًا في ما يتعلق بمسألة السلاح والسيادة وقيام الدولة. لكن الانتقال من موقع تسجيل المواقف إلى موقع التأثير في مسار بناء الدولة يفرض على «القوات»، كما على سائر القوى السياسية، مسؤولية إضافية.

فالتاريخ السياسي اللبناني مليء بالقوى التي نجحت في تشخيص الأزمة، لكنه أقل امتلاءً بالقوى التي نجحت في تحويل هذا التشخيص إلى دولة مستقرة ومؤسسات فعالة. وربما يكون هذا هو الفارق الحقيقي بين المرحلة السابقة والمرحلة التي يحاول جعجع الإعلان عنها.

بين الشهادة وواقع لبنان وبناء المؤسسات، ستسعى كلمة جعجع إلى رسم خطّ واحد يربط الماضي بالحاضر والمستقبل. لكن نجاح هذا الخطاب سياسيًّا لن يتوقف فقط على قوة الرواية أو وضوح الموقف، بل على قدرته على الإجابة عن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على الجميع : إذا كان هناك توافق متزايد على أن لبنان يحتاج إلى دولة فعلية، فما هي الخطوات الواقعية والسياسية التي يمكن أن تنقل البلاد من مرحلة الانتظار إلى مرحلة التنفيذ؟

وهذا، على الأرجح، سيكون جوهر كلمة جعجع غدًا: الانتقال من الدفاع عن فكرة الدولة إلى محاولة وضع شروط قيامها. غير أن الاختبار الحقيقي لن يكون في الخطاب وحده، بل في قدرة القوى السياسية على تحويل هذا العنوان من شعار جامع إلى مسار عملي يمكن للبنانيين أن يلمسوا نتائجه. فهل سيكون الغد الذي يعد فيه جعجع قريبًا؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك