بين «الدولة الفاشلة» ودبلوماسية النجاة

قد يكون الاختبار الحقيقي للعهد اللبناني وللمرحلة كلّها في عدم انتظار انتهاء الحرب الإقليميّة كي يبدأ لبنان الدولة بناء موقعه الجديد، بل أن يثبت منذ الآن أنّ لديه مشروعًا مختلفًا عن مشاريع المحاور. وهذا ما ليس واضحًا في هذه المرحلة. وهذا بدوره ما سيضعف قدرة العهد على المناورة، وما قد يسرّع احتمالات سقوطه في المحظور.

خاص بوابة بيروت

بدأت وتيرة الحرب الإعلاميّة ترتفع أكثر فأكثر عقب فيديو مولّد بالذكاء الاصطناعي عن تدمير جزيرة خرج (Kharg) الإيرانيّة الاستراتيجيّة نفطيًّا؛ ولم تؤكّد واشنطن أو البنتاغون وقوع هجوم على خرج.

وفيما بدا لافتًا، الهجوم الأميركي على جزيرة لارك، ما دفع طهران إلى استهداف الأردن من جديد. وهذا ما حتّم تحوّلًا في طبيعة المواجهة الأميركيّة ـ الإيرانيّة، وفي موقع لبنان من المشهد الإقليمي، الذي لن يكون بمنأى عن تداعيات هذه الاستهدافات.

فهذه التطوّرات تؤكّد أنّ المنطقة دخلت في دائرة التعقيدات الأعمق منذ بداية الحرب الطويلة فيها، حيث باتت برمّتها خليطًا من الإنزالات الاقتصاديّة الخانقة والقاتلة، مع الضربات العسكريّة الاستراتيجيّة المدروسة والمحدودة، إضافة إلى المفاوضات متعثّرة المسارات.

عودة الميدان

سقط الهدوء النسبي، وعادت الكلمة إلى الميدان. ولكن هذه المرّة مع استجداء إيراني للعودة إلى مسار إسلام آباد، في ظلّ رفض أميركي بالتجاوب.

وهذا ما ترجمته أميركا بضرب موقعين لإطلاق الصواريخ في جزيرة لارك الإيرانيّة في مضيق هرمز، وقالت إنّ قوات الحرس الثوري كانت تستعدّ لاستخدام صواريخ تحمل ألغامًا بحريّة في المضيق، وهو ما اعتبرته واشنطن تهديدًا وشيكًا للملاحة الدوليّة.

لكنّ إيران، كالعادة، ردّت بإطلاق صواريخ باليستيّة على قواعد تضمّ قوات أميركيّة في الأردن، فيما أعلنت عمّان اعتراض ثمانية صواريخ دخلت مجالها الجوّي.

وهكذا، مع هذا الردّ الإيراني الموسّع، نجحت إيران من جديد، وبرغم ما تواجهه من حصار اقتصاديّ، في جعل المواجهة إقليميّة مفتوحة أكثر، بهدف كسر هذا الحصار.

فردّها في الأردن، معطوفًا على الحادثة التي تعرّضت لها الإمارات والمرتبطة بمسيّرة إيرانيّة، ما دفع أبو ظبي إلى التحذير من «تصعيد خطير في المنطقة»، تبدو كلّها محاولات ساقطة مسبقًا، لأنّه على ما يبدو أنّ الرئيس الأميركي بات أكثر تشدّدًا، وبات مرتبطًا ارتباطًا انتخابيًّا بإسقاط النظام.

استراتيجية الضغط الأميركي

وفي هذا السياق، جاء خطاب ترامب أبعد من مجرّد التهديد بردّ عسكري، حيث وصف إيران بأنّها «دولة فاشلة»، وقال إنّ الولايات المتحدة «ستضربها بقوّة»، بالتزامن مع استمرار واشنطن في استخدام العقوبات الاقتصاديّة أداةَ ضغط على طهران.

بل إنّ الإدارة الأميركيّة تبدو وكأنّها تحاول الجمع بين مسارين: إضعاف إيران عسكريًّا واقتصاديًّا، من دون الذهاب، حتّى الآن، إلى حرب شاملة لا يمكن ضبط نتائجها، ولا سيّما قبل انتخابات يمكن أن تكون هذه الحرب الشاملة، إن وقعت، عاملًا سلبيًّا يضعف ترامب أكثر.

تناقض طهران واستحالة التفاوض

وهذا ما أعطى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القدرة السياسيّة على التصريح بأنّ استمرار الحرب مع الولايات المتحدة ليس في مصلحة إيران، وأنّ بلاده لا تبحث عن الحرب، لكنّه شدّد في الوقت نفسه على أنّ إيران ستردّ على أيّ اعتداء.

هذا التناقض ما بين الميدانين الدبلوماسي والحربي لا يُقرأ إلّا انطلاقًا من حالة الوهن التي باتت فيها طهران، حيث تظهر أنّها تسعى إلى توسيع المواجهة، بينما تضمر عدم ذلك، كي لا تظهر بمظهر الدولة التي تقبل الضربات من دون الردّ عليها.

ولعلّ هذا ما يطرح استحالة العودة إلى طاولة التفاوض، على الأقلّ في هذه المرحلة.

وربّما ما يضمره الرئيس الأميركي قد يكون على قاعدة الصفقة مع فنزويلا، إلّا أنّ ذلك يبقى مستحيلًا قبل السقوط المرتقب للنظام. وإن حصلت هذه المسألة قبل الانتخابات الأميركيّة، فسيكون نصر ترامب نصرًا مدوّيًا.

فيما أنّه لو لم يحصل هذا السقوط قبل انتخابات ترامب، فمن المرجّح أنّه سينفّذ ضربة عسكريّة على سلسلة ظهر هذا النظام، بهدف شلّه نهائيًّا بانتظار سقوطه الحتمي.

حين تبلغ القوة حدودها

التجربة التاريخيّة تقول إنّ الوصول إلى التفاوض لا يحتاج بالضرورة إلى توقّف القوّة، بل قد يكون نتيجة مباشرة لوصولها إلى حدودها القصوى.

ففي الحرب الباردة، كما في أزمات الشرق الأوسط المتعاقبة، لم تبدأ المفاوضات دائمًا بعد أن تصمت المدافع، بل كثيرًا ما بدأت عندما أصبح استمرار إطلاقها أكثر كلفة من الجلوس إلى الطاولة.

وهذا هو الفارق الجوهري بين الردع والحرب الشاملة: فالردع يستخدم القوّة لكي يعيد الخصم حساباته، أمّا الحرب المفتوحة فتبدأ حين تفقد الأطراف القدرة على التحكّم في مسار التصعيد، ويصبح كلّ تصعيد جديد مدخلًا إلى تصعيد أكبر.

هرمز: شريان العالم

وهنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة الراهنة. فمضيق هرمز لا يمثّل مجرّد ورقة في المواجهة، بل يشكّل أحد الشرايين الحيويّة للاقتصاد العالمي.

وأيّ تهديد لحركة الملاحة فيه لا يبقى محصورًا في ساحات الصراع، بل ينتقل سريعًا إلى أسواق الطاقة والأسعار والاقتصادات الدوليّة. وقد بدأت التطوّرات الأخيرة تنعكس على أسعار النفط، فيما يمرّ عبر المضيق، في الظروف الطبيعيّة، نحو خُمس النفط المتداول عالميًّا.

لذلك، فإنّ السؤال لم يعد فقط: من يملك القدرة على توجيه الضربة الأقوى؟ بل من يملك القدرة على معرفة أين يجب أن يتوقّف؟

فالتاريخ يعلّمنا أنّ أخطر الحروب ليست تلك التي يعجز فيها طرف عن استخدام القوّة، بل تلك التي يعجز فيها الطرفان عن تحديد اللحظة التي يصبح فيها استخدام المزيد منها أقلّ فائدة من التفاوض.

وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي تقف أمامه المواجهة اليوم: هل ستُستخدم القوّة لفرض شروط تفاوض جديدة، أم أنّ منطق القوّة نفسه سيدفع المنطقة إلى تجاوز العتبة التي يصبح بعدها التفاوض محاولةً لاحتواء الانفجار، لا وسيلةً لمنعه؟

لبنان أمام اختبار الدور

وفي الوقت الذي تحاول فيه المنطقة إعادة تعريف قواعد الحرب، يحاول لبنان إعادة تعريف موقعه خارج هذه الحرب.

حيث بدا إعلان الرئيس جوزاف عون الواضح في أثينا حول أنّ لبنان «مصمّم على إنهاء حالة العداء» مع إسرائيل، لافتًا في توقيته، على وقع استمرار العمليّات الإسرائيليّة في منطقة علي الطاهر ومحيطها.

وعاد عون وشدّد على التطبيق الكامل للاتفاق الإطاري الذي تمّ التوصّل إليه برعاية أميركيّة، من دون انتقائيّة ومن جانبَي الاتفاق. وقال إنّ لبنان واللبنانيّين تعبوا من الحروب، وإنّ الحلّ يكمن في الدبلوماسيّة لا في الحرب.

قد يكون الاختبار الحقيقي للعهد اللبناني وللمرحلة كلّها في عدم انتظار انتهاء الحرب الإقليميّة كي يبدأ لبنان الدولة بناء موقعه الجديد، بل أن يثبت منذ الآن أنّ لديه مشروعًا مختلفًا عن مشاريع المحاور.

وهذا ما ليس واضحًا في هذه المرحلة. وهذا بدوره ما سيضعف قدرة العهد على المناورة، وما قد يسرّع احتمالات سقوطه في المحظور.

فالفرصة التي تفتحها اللحظة الراهنة ليست في الانضمام إلى ميزان القوى الجديد، وإنّما في الخروج من دولة الساحة إلى دولة الدور.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك