النهاية التي استحقها “حزب الله” وسلامٌ يستحقه لبنان

خاص بوابة بيروت

ليس مطلوباً من اللبناني اليوم أن يحزن. وليس مطلوباً منه أن يبحث عن الكلمات التي تحفظ ماء وجه حزب الله، أو أن يخترع له مخرجاً مشرّفاً من أكثر من أربعة عقود من السلاح والسياسة والحروب والتهديد والوعيد.

وليس مطلوباً منه، بعد كل ما حصل، أن يتعامل مع نهاية دوره العسكري خارج الدولة وكأنها خسارة للبنان. على العكس.

أعتقد أن كثيراً من اللبنانيين، وربما للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، ينظرون إلى ما يجري ويشعرون بأن صفحة ثقيلة من تاريخ هذا البلد بدأت تُطوى.

لم نكن ننتظر من حزب الله أن يتكرّم علينا بتسليم سلاحه، ثم يخرج ليقول إنه فعل ذلك دفاعاً عن لبنان أو حفاظاً على الدولة أو احتراماً للدستور. كنا ننتظر شيئاً أبسط بكثير، أن ينتهي زمن السلاح خارج الدولة. والفرق كبير.

لأن القضية لم تكن يوماً مجرد بندقية. القضية كانت، ولا تزال من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟

هل هو مجلس الوزراء؟ هل هي المؤسسات الدستورية؟ هل هو الجيش اللبناني؟

أم أن هناك قوة مسلحة تستطيع، في لحظة سياسية أو إقليمية، أن تقرر أن لبنان سيدخل حرباً جديدة، وعلى اللبنانيين جميعاً أن يدفعوا الثمن؟ هذه ليست مسألة وجهة نظر. هذه هي أصل المشكلة.

الدولة اللبنانية قالت كلمتها بوضوح. ومنذ عام 2025 بدأ مسار رسمي لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتكليف الجيش بوضع خطة لتنفيذ هذا المبدأ. وفي مطلع عام 2026 أعلن الجيش تقدماً ملموساً في بسط سلطة الدولة واحتكارها للسلاح في الجنوب، مع الإقرار بأن المهمة لم تكن قد انتهت بالكامل.

ثم جاءت التطورات السياسية والأمنية التي جعلت هذا الملف في قلب أي حديث جدي عن مستقبل لبنان.

وهنا تكمن المفارقة.

الحزب الذي لطالما قال إن سلاحه موجود من أجل لبنان، وجد نفسه أمام الدولة اللبنانية وهي تقول له ببساطة: السلاح يجب أن يكون للدولة. فماذا كان موقفه؟ الرفض.

وهذا وحده يكفي لإعادة النظر في كثير من الروايات التي سمعناها طوال السنوات الماضية. لا، نحن لم نكن نريد من حزب الله أن يسلم سلاحه ليبدو وطنياً. لقد انتهى هذا الفصل.

من يريد أن يحاكم التجربة بصدق، فليسأل الأسئلة التي حاولنا طويلاً الهروب منها، ماذا فعل هذا السلاح بلبنان؟

كم حرباً دخلها لبنان ولم يخترها اللبنانيون؟ كم مرة تحول الجنوب إلى ساحة مفتوحة؟ كم مرة دفع المدنيون الثمن؟

وكم مرة تعطلت الدولة أمام قوة الأمر الواقع؟ وكم مرة قيل للبنانيين إن كل ذلك هو ثمن المقاومة؟

ثم، بعد كل هذا، ماذا بقي؟ بلد أنهكته الحروب. اقتصاد انهار. شباب هاجروا. قرى وبيوت دُمّرت. ودولة ضعفت.

ومجتمع دفع أثماناً هائلة، بينما بقي السؤال نفسه يطاردنا، لماذا يجب أن يكون لبنان دائماً ساحة لحسابات الآخرين؟

هذه ليست شماتة. هذه محاسبة. والفرق كبير. الشماتة تبحث عن الإهانة، أما المحاسبة فتبحث عن الحقيقة.

والحقيقة أن المشروع الذي وعد اللبنانيين بالأمن والقوة والمنعة أوصلهم في النهاية إلى السؤال عن أبسط حقوقهم، هل نستطيع أن نعيش مثل بقية شعوب العالم من دون أن نخشى حرباً جديدة في كل لحظة؟

لهذا، إذا كان هناك لبناني يحب بلده فعلاً، فلا أرى سبباً يدفعه إلى الحزن على نهاية حزب الله كقوة عسكرية مستقلة عن الدولة.

بل ربما تكون هذه النهاية، إذا اكتملت، أكثر النهايات عدالة لمسار طويل. ليس لأن اللبناني يريد إذلال اللبناني الآخر.

وليس لأن طائفة يجب أن تنتصر على طائفة. وليس لأننا نريد استبدال هيمنة بهيمنة أخرى.

بل لأن لبنان لا يمكن أن يقوم بنصف دولة ونصف سيادة ونصف قرار. إما دولة واحدة، أو لا دولة. إما جيش واحد، أو جيوش.

إما أن يكون قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية، أو يبقى لبنان رهينة كل أزمة إقليمية وكل حساب دولي.

وهنا يجب أن نكون واضحين جداً، المطلوب ليس نزع سلاح حزب الله من أجل إسرائيل. المطلوب نزع السلاح من أجل لبنان.

هذه نقطة لا يجوز التنازل عنها. لبنان لا يحتاج إلى أن يصبح تابعاً لإسرائيل كي يتخلص من تبعيته لإيران.

ولا يحتاج إلى وصاية جديدة كي يتخلص من الوصايات القديمة. لبنان يحتاج إلى نفسه، إلى دولته، إلى جيشه، إلى مؤسساته وإلى قرار وطني مستقل. والأهم من كل ذلك، لا يجب أن نخاف من كلمة السلام. لقد دفع لبنان ما يكفي من الدم كي يحق له أن يحلم بالسلام. بل أكثر من ذلك، آن الأوان لأن يصبح السلام مشروعاً لبنانياً، لا كلمة ممنوعة في القاموس السياسي.

ما بدأ بين لبنان وإسرائيل خلال عام 2026 لم يأتِ من فراغ. جاء بعد سنوات من الحروب والدمار، وفي سياق محاولة لوضع ترتيبات جديدة تقوم على وقف النار، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، وانتشار الجيش، ومعالجة مسألة السلاح خارج الدولة، وفتح الطريق أمام انسحاب إسرائيلي وترتيبات أمنية أكثر استقراراً. المسار ليس سهلاً.

ولا تزال هناك عقبات كبيرة وخلافات جدية، خصوصاً حول سلاح حزب الله والوجود الإسرائيلي في الجنوب.

لكن مجرد وصول النقاش إلى هذه المرحلة يحمل معنى مهماً. لأن السؤال الذي يجب أن يشغل اللبنانيين اليوم لم يعد فقط.

كيف نستعد للحرب المقبلة؟ بل كيف نمنع الحرب المقبلة؟ وهذه ليست هزيمة للبنان. هذه قد تكون بداية انتصاره الحقيقي.

قد يقول البعض إن حزب الله لم ينتهِ، وإنه لا يزال قوة سياسية وشعبية، وإن الطريق أمام نزع سلاحه بالكامل طويل.

صحيح، ولا داعي للمبالغة. المعركة لم تنتهِ، والوقائع على الأرض لا تزال معقدة، والمسار السياسي والأمني يواجه عراقيل جدية.

لكن شيئاً جوهرياً تغيّر. لم تعد فكرة السلاح خارج الدولة أمراً مسلّماً به كما كانت. الدولة قالت كلمتها. والجيش يتحرك ضمن هذا المسار. والنقاش اللبناني نفسه تغيّر.

انتقل من سؤال، هل يحق لحزب الله أن يمتلك السلاح؟ إلى سؤال أكثر واقعية، كيف ومتى ينتهي هذا السلاح؟

وهذا التحول ليس تفصيلاً صغيراً. إنه بداية النهاية لفكرة الدولة داخل الدولة.

لذلك، لا أرى في نهاية حزب الله العسكرية مأساة لبنانية. المأساة كانت أن يبقى لبنان أسيراً لها.

المأساة كانت أن يكبر جيل كامل وهو يعرف الحرب أكثر مما يعرف السلام.

المأساة كانت أن يصبح حمل السلاح أقوى من حمل جواز السفر.

وأن يشعر المواطن اللبناني بأن مستقبله مرتبط بقرار لا يملك حق اتخاذه. أما أن ينتهي هذا الواقع، فهذه ليست مأساة.

هذه فرصة. وربما فرصة لن تتكرر. نعم، يمكن أن ينتهي حزب الله كقوة عسكرية خارج الدولة.

ونعم، يمكن أن يعود الجنوب إلى الدولة. ويمكن أن تصبح الحدود حدود دولة، لا حدود تنظيم.

ويمكن أن يبدأ لبنان بالتفاوض على مستقبله بدل أن يُستخدم في حروب الآخرين.

لكن علينا أن نعرف ماذا نريد بعد ذلك. لا نريد انتقاماً، لا نريد إذلال طائفة، لا نريد استبدال سلاح بسلاح.

ولا نريد أن يتحول سقوط حزب الله إلى بداية صراع لبناني جديد. نريد دولة. نريد سيادة. نريد إعادة إعمار.

نريد اقتصاداً يعمل. نريد أبناءنا في لبنان، لا في مطارات العالم.

ونريد السلام. السلام الذي تأخر كثيراً.

قد يكون الثمن الحقيقي لكل ما فعله حزب الله بلبنان طوال العقود الماضية أن ينتهي المشروع الذي حاول إقناع اللبنانيين بأن لا حياة لهم من دون سلاحه.

وربما تكون النهاية الأقسى بالنسبة إليه ليست أن يُهزم عسكرياً.

بل أن يكتشف اللبنانيون أنهم يستطيعون العيش من دونه.

أن يكتشف أهل الجنوب أن جنوب لبنان يمكن أن يكون جنوب لبنان، لا جبهة دائمة.

أن تكتشف الدولة أنها قادرة على حماية مواطنيها وأن يكون الجيش صاحب القرار وأن يكتشف لبنان أنه يستطيع أن يكون لبناناً، لا ساحة مفتوحة لحروب المنطقة.

هذه هي النهاية التي يستحقها المشروع، أما اللبنانيون، فقد حان الوقت لأن يحصلوا على النهاية التي يستحقونها هم.

دولة لا ميليشيا. سيادة لا وصاية. قرار لا تبعية. إعمار لا دمار. وسلام لا حرب جديدة.

ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث للبنان اليوم هو ألا ينتصر طرف لبناني على طرف لبناني آخر. بل أن ينتصر لبنان أخيراً على الفكرة التي دمّرته، أن الحرب قدر وأن السلاح هو الطريق الوحيد إلى الأمان.

فالسلام ليس استسلاماً والدولة ليست ضعفاً والسيادة ليست شعاراً.

والسلاح الذي لا يخضع للدولة، مهما كان اسمه ومهما كانت شعاراته، يبقى في النهاية سلاحاً خارج قرار الدولة.

ولبنان، بعد كل هذا الدم، يستحق أكثر من ذلك. يستحق أن يضع السلاح جانباً. ويستحق أن يبدأ، أخيراً، ببناء السلام.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك