الجنوب يحترق والاقتصاد نار، والهيكل … هل ينهار؟
لا يمكن المبالغة والإفراط في التعويل على مثل هكذا خطوة واعتبارها المؤشّر إلى استعادة قرار الحرب والسلم وفكّ عملية التشارك السيادي، على وقع الضغط الأميركي سياسيًا باتجاه حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة.
خاص بوابة بيروت
لا يستطيع أحد بعد اليوم التلطّي خلف مآسي كلّ اللبنانيين، معطوفًا عليها الواقع الاقتصادي المزري، بعدما وصل سعر برميل نفط برنت إلى 105 دولارات أميركية، ولامست صفيحة البنزين الثلاثين دولارًا في الأسواق اللبنانية، تتخلّى الحكومة مرّة جديدة عن الشعب الذي من المفترض أن تحضنه، محاولةً تقديم سياستها المالية على أنها مكافحة للتهرّب الضريبي وتحسين للجباية، لا فرض ضرائب جديدة.
لكن أمام هذا الواقع الأمني الهشّ، تفرض الحكومة نسبة 3% استيفاءً من قيمة الاستيراد، ولو سُجّلت لاحقًا كدفعة على ضريبة الدخل. يعني ذلك عمليًا تحميل بعض المؤسسات كلفة مالية مسبقة قد تنعكس على الأسعار والسيولة. وبمعنى آخر، هي ضريبة غير مباشرة على المواطنين ستؤدّي حكمًا إلى ارتفاع جنوني في السلّة الغذائية أوّلًا، ليتبعها ذلك في كافّة القطاعات.
البحث عن المعلوم في المجهول
الحكومة تبحث عن إيرادات لها لإعداد موازنة 2027 في ظل شحّ الموارد والضغوط الاقتصادية، إلّا أنّها لا تعمل على ترشيق الإنفاق إلّا انطلاقًا من حساب المواطنين وعلى حسابهم فقط. المشكلة أنّ الدولة تحتاج إلى إنفاق أكبر لبناء قدرتها، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بضبط الإنفاق العام وترشيده. فهل تكون عملية الترشيد هذه من جيب المواطن وعلى حساب لقمته اليومية في ظلّ عدم القدرة على التحوّل إلى دولة طبيعيّة؟ فلا مساعدات اقتصاديّة، ولا إعادة إعمار قبل تحقيق هذا الهدف، الذي للأسف يبدو أنّه لا زال بعيدًا!
كما برزت عقدة ملفّ تفرّغ أساتذة الجامعة اللبنانية، الذي تمّ ترحيله لشهر إضافي للمزيد من البحث. وسرعان ما بادرت رابطة الأساتذة المتعاقدين إلى إعلان الإضراب. يعني عمليًا أنّ العام الجامعي في الجامعة اللبنانية سيكون متضعضعًا، هذا من دون الحديث عن التداعيات الأمنية التي لا يمكن إلا أن تؤثّر سلبًا في هذا الملفّ وغيره.
وهذا ما انعكس تخوّفًا لدى بعض الأساتذة الذين اعتبروا أنّ أمانهم الوظيفي الموعود قد صار في مهبّ الريح، وكأنّ هذه الحكومة تدرك تمامًا أنّ انهيار الهيكل قادم، لذلك قامت بتهريب هذا الملفّ الجوهري بهدف تطييره بفعل الأمر الواقع. فيما لا يزال مجلس الوزراء يعدّل مشروع الموازنة ولم يحسم بعد جميع مواده، رغم أنّ عقبات تمويل هذا الملفّ قد تمّ تذليلها في مراحل سابقة.
الحكومة تُحاصر المواطن
لكن ما لفت في سياق الأحداث المواقف التي صدرت عن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي اعتبر أنّ «خيارنا يبقى الدولة، كونها تحمينا كلّنا»، مؤكدًا أنّ لبنان دولة ذات سيادة، وأنّ الدولة هي التي تحمي الطوائف وليس العكس.
وفي ما يتعلّق بالجنوب، أوضح أنّ الدولة تتابع التطورات العسكرية في ظلّ الاعتداءات الإسرائيلية، وأنّ الجهد ينصبّ على تعزيز الأمن والاستقرار، فيما أكد تمسّكه بالمفاوضات باعتبارها الخيار المتاح لإنهاء الحرب، مطالبًا بإنهاء حالة العداء مع إسرائيل وفقًا لمسار يبدأ بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وانتشار الجيش وعودة النازحين والأسرى. كما شدّد على أنّ هدفه هو إنهاء الحروب في لبنان والوصول إلى نتائج تصبّ في مصلحة البلاد، رغم الضغوط للانسحاب من المفاوضات.
وقد أعلن الجيش عن مصادرة نحو 1818 قطعة سلاح وذخيرة، وانتشار نقاط ومراكز مراقبة جديدة، فيما تقول إسرائيل إنّها لا تزال تملك السيطرة العملياتية على مواقع استراتيجية. لقد آن الأوان لتعود الدولة إلى الجنوب. لكن المشكلة تكمن في قبول مَن يسيطر على الجنوب بوجود الدولة.
يبدو أنّ هذه القناعة قد تولّدت بعد الاجتماع الأمني الذي عُقد في بعبدا، على وقع التحذيرات التي وصلت إلى الدولة اللبنانية. فالجيش يحاول إثبات أنّ الدولة بدأت فعليًا باستعادة احتكار السلاح، لكنّ العين تبقى على تداعيات هذه العمليات في الميدان مباشرة. لذلك، لا يمكن المبالغة والإفراط في التعويل على مثل هكذا خطوة واعتبارها المؤشّر إلى استعادة قرار الحرب والسلم وفكّ عملية التشارك السيادي، على وقع الضغط الأميركي سياسيًا باتجاه حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة.
الجنوب تحت النار
يبقى أنّ الحدث الأبرز ليس محليًا بل إقليميًا، مع سيطرة الحوثيين على ميناء «المخا» وتقدّمهم على ساحل البحر الأحمر، بالتزامن مع استمرار إغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز بسبب الحرب الأميركية- الإيرانية. وهذا ما ينذر بتوسّع الحرب أكثر وتحوّلها إلى حرب إقليمية، على وقع تسريبات عن إمكانية دخول واسع للمملكة العربية السعودية على الخطّ بقوّة أكبر، وليس الاكتفاء فقط بالضربات الجوية. وذلك لأنّ باب المندب، في نهاية المطاف، هو الخطّ الثاني بعد هرمز. فالسيطرة عليه تعني حكمًا تطويقًا إيرانيًا جديدًا: هرمز شرقًا وباب المندب غربًا. وهذا ما لن تسمح به أميركا.
وهذا، باعتقادي، ما سيتيح للرئيس ترامب ميدانًا جديدًا خارج هرمز، قد يشكّل ساحة حرب جديدة، إن كان بالمباشر أو بالوكالة. وهذا ما سيسرّع عملية استهداف منشأة «جبل الفأس»، لأنّ عدّاد الانتخابات الأميركية سيلامس الخمسين يومًا، وهي ستشكّل الفيصل الذي سيقلب المقاييس في كلّ المنطقة.
وبالنسبة إلى لبنان، فإنّ الخطر لا يقتصر على احتمال عودة التصعيد العسكري وحسب، بل على توسّعه أكثر، ولا سيّما بعد تفجير بنية علي الطاهر، وبعدما باتت مدينة النبطية تحت النار. وهذا ما سيطرح إشكالية تكرار سيناريوهات انسحاب الجيش، على غرار ما حدث في القرى الجنوبية الأمامية. وهذا ما سيشكّل الاختبار الأهم في هذه المرحلة. لكنّ التجارب غير مطمئنة.
ذلك كلّه تزامن مع جرعة دعم أميركية عبّرت عنها السفارة في بيروت بتغريدة مفادها: “جنوب لبنان لا ينتمي إلى حزب الله.” وهكذا، لم يعد الحديث الأميركي يقتصر على عملية نزع السلاح وحسب، بل على مَن يجب أن يفرض سيادته في الجنوب ويملك قرار الحرب والسلم فيه.
المعركة على السيادة
أمّا من وجهة نظر إسرائيل، فالسبب في كلّ ما تقوم به هو أنّ نزع السلاح لم يكتمل. ومن وجهة نظر بيروت، فهي تحاول بناء معادلة ثلاثية: لا سلاح خارج الدولة، لا احتلال إسرائيلي، لا فراغ أمني. فإنّ استمرار العمليات الإسرائيلية يقوّض قدرة الدولة على القيام بالمهمّة. وهكذا بات الخلاف بين لبنان وإسرائيل حول مَن يجب أن يبدأ بماذا؟ والضحيّة واحدة: لبنان.
فالمعركة السياسية الأعمق بالنسبة إلى لبنان لم تعد، بعد هذه التطوّرات كلّها، نزع السلاح وانسحاب إسرائيل، بل أضحت في إنهاء المعادلات غير الشرعية التي سبّبت عدم الاستقرار، بهدف التوصّل إلى استقرار طويل الأمد من دون الاعتماد على ترتيبات دولية مؤقتة لوقف القوّة الإسرائيلية التي لن تتوقّف إلّا بنزع سلاح المنظّمة بالكامل وتدميره، وانتهاء بالسلام.
فهل تجرؤ هذه السلطة اليوم، حفاظًا على ما تبقّى، حيث لم يجرؤ آخرون قبلها؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير