١٧ تشرين… يومٌ مجيد في ذاكرة وطنٍ لم ولن يستسلم

خاص بوابة بيروت

هناك أيام تمرّ في حياة الشعوب كما تمرّ سائر الأيام، وهناك أيام تتحول إلى علامات فارقة، لأنها تحمل في داخلها لحظة خروجٍ من الصمت إلى الكلام، ومن الخوف إلى المواجهة، ومن الاستسلام إلى الحلم.

١٧ تشرين كان واحدًا من تلك الأيام.

في ذلك اليوم، لم تنزل إلى الشوارع فئةٌ واحدة من اللبنانيين، ولم تكن الساحات ملكًا لتيار أو حزب أو طائفة. كان المشهد أكبر من كل الاصطفافات. كان لبنان حاضرًا في ساحاته، من شماله إلى جنوبه، ومن بيروته إلى بقاعه وجبله.

خرج الناس لأنهم تعبوا.

تعبوا من دولةٍ أنهكتها المحاصصة، ومن فسادٍ أصبح جزءًا من الحياة اليومية، ومن أزماتٍ تتكرر بينما تتراجع قدرة المواطن على الصمود. خرجوا لأن راتبهم لم يعد يكفي، ولأن الكهرباء والماء والطبابة والتعليم أصبحت همومًا يومية، ولأن الهجرة تحولت بالنسبة إلى كثيرين من خيار إلى ضرورة.

خرجوا ليقولوا ببساطة: نريد وطنًا يشبهنا. نريد دولةً تحمينا، لا دولةً نبحث فيها عن حماية. نريد عدالةً لا استنسابية فيها، وكرامةً لا تُمنح كمنّة.

وكان الأهم أن اللبنانيين، ولو لفترة، اكتشفوا قوتهم حين اجتمعوا تحت علم واحد.

لم يكن ١٧ تشرين مجرد احتجاج على ضريبة أو قرار أو أزمة اقتصادية. تلك كانت الشرارة، أما النار الحقيقية فكانت أعمق بكثير: تراكم سنوات من القهر والحرمان وفقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها.

ولذلك، فإن اختزال ١٧ تشرين في شعارات سياسية أو في أسماء أشخاص، ظلمٌ لذاكرة تلك المرحلة. فالحدث كان أكبر من كل الذين حاولوا ركوبه، وأكبر من كل الذين حاولوا مصادرته، وأكبر أيضًا من كل الخلافات التي ظهرت لاحقًا.

نعم، أخطأت الثورة. ونعم، تعثرت. ونعم، دخلت إليها حسابات سياسية، وظهرت فيها انقسامات، ولم تستطع تحقيق كل ما حلم به الناس.

لكن هل يعني ذلك أن المطالب كانت خاطئة؟
هل كان مطلب الدولة العادلة خطأ؟
هل كانت محاربة الفساد خطأ؟
هل كان طلب استقلال القضاء خطأ؟
هل كان رفض إذلال المواطن خطأ؟
بالتأكيد لا.

قد تختلف الآراء حول الوسائل والنتائج، لكن لا يمكن إلغاء الحقيقة الأساسية: أن ١٧ تشرين كشف حجم الوجع اللبناني، وفتح الباب أمام نقاشٍ لم يعد من الممكن إغلاقه بسهولة.
ثم جاءت السنوات القاسية.

انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق، انهيارٌ في قيمة العملة، هجرةٌ متصاعدة، فقرٌ وقلقٌ على المستقبل، ثم جاءت كارثة انفجار مرفأ بيروت لتضيف جرحًا جديدًا إلى جسدٍ لبناني مثقل بالجراح، وحرب الإسناد وأهوالها على اللبنانيين وما زالت نارها موقدة لم تنطفىء.

ومع كل ذلك، بقي السؤال نفسه: متى يصبح لبنان دولة؟

ليس المطلوب وطنًا مثاليًا، فالأوطان لا تصبح مثالية بين ليلة وضحاها. المطلوب وطنٌ يحترم مواطنيه، ويؤمن لهم الحد الأدنى من العدالة والأمان والكرامة…

اخترنا لك