ارتفاع المؤشّرات السلبيّة
المعادلة الأصعب هي التوفيق بين ثلاثة شروط متعارضة عمليًا : لبنان يريد حصرية السلاح والقرار الأمني للدولة؛ إسرائيل تريد ترتيبات أمنية تمنع عودة تهديد حزب الله؛ والمجتمع الدولي يريد تقوية الجيش من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية لبنانية. فالفجوة كبيرة بين «خيار الدولة» سياسيًا وبين قدرتها على فرض هذا الخيار ميدانيًا...
خاص بوابة بيروت
ما حدث في مطار بيروت ليس حدثًا عابرًا أو يحمل دلالات دينية فقط، إنّما هذا تهديد مبطّن/ واضح بأنّ المنظّمة لا زالت منظّمة. لكأنّ الرسالة النّسوية التي أراد حزب الله إيصالها هي أوّلًا إلى هذا العهد الذي يصرّ على تطبيق السيادة كاملة، وعلى إظهار هذه المسألة إلى المجتمع الدولي بشكل خاص.
فأتت هذه الرّسالة من مطار بيروت، الواجهة السياديّة للدولة، تمامًا كأيّ مطار في العالم الذي يعتبَر بوّابة سيادة الدّولة. أتت هذه الرّسالة لتقول للدولة اوّلًا ألا وجود لأي سيادة، والحكم لا زال تحت السيطرة الإيرانيّة. وهذا ما عكسته المنظّمة بمظهر ديني إيراني ممزوج بنكهة لبنانيّة ساقطة أبريوريًّا.
فضلًا عن الحديث عن أرقام عناصر الحرس الثوري في هذا التوقيت بالذات. وهذا ما لا يمكن اعتباره مجرّد رسائل تمّ تداولها على مواقع التواصل، أو مجموعات الدردشة الإلكترونيّة. فهذا ينمّ عن أنّه عمل منظّم، وليس إلا عملا صادرًا عن غرف الصدى التي تديرها جيوش المنظمة الالكترونية.
وهذا ما يطرح إشكاليّة التوقيت في هذه المرحلة بالذات. لماذا اختارت المنظّمة بثّ هذه الأخبار في الوسط الاجتماعي؟ هل هي رسالة تخويف مفادها أنّ البلد محتلّ من الحرس الثّوري؟ يبدو أنّ الحقيقة تكمن في مكان آخر أرادت منظّمة حزب الله إرجاع البلد إليها. وهي أنّ الحرس الثوري وبقاياه هما اللذان يتحكّمان باللعبة السياسيّة والاجتماعيّة والميدانيّة في لبنان، برغم كلّ شيء.
وذلك لم يأتِ إلّا بعد عودة فخامة الرّئيس من باريس عقب التّحضيرات لمؤتمر دعم مؤسسة الجيش اللبناني. وهكذا تتّضح الصورة التي تعبّر عن واقع رفض وجود أيّ دور لمؤسسة الجيش اللبناني، التي وحدها قادرة أن تواجه الحالة اللاسياديّة في البلد. وهي وحدها قادرة أن تستعيد السيادة في حال نجحت الحكومة بإعطائها الغطاء السياسي اللازم والكافي لتسير قدمًا في تنفيذ قراراتها.
وفي هذا السياق ستستثمر المنظّمة في ما حصل في بلدة ديرميماس حيث تقدّمت قوة إسرائيلية باتجاه نقطة مستحدثة للجيش اللبناني عند أطراف البلدة، وألقت قنابل صوتية، قبل أن تتراجع لاحقًا. ما دفع ذلك الجيش اللبناني إلى تعزيز انتشاره في المنطقة وطلب مؤازرة اليونيفيل.
وتُعدّ الواقعة مهمة لأنها حصلت قرب نقطة للجيش اللبناني نفسه، ما يجعلها أكثر حساسية من عمليات القصف المعتادة. وهذا ما سيسمح للمنظّمة بدورها في الاستثمار بضرب صورة مؤسسة الجيش اللبناني بهدف إفشال مؤتمر باريس وأيّ مندرجات قد تصدر عن هذا المؤتمر لصالح دعم هذه المؤسسة. فالدولة تحاول إثبات أن الجيش هو المرجعية الأمنية الموجودة على الأرض، بينما المنظّمة تحاول دائمًا إظهار المؤسسة بحالة العجز الدائم.
والدلالة السياسية هنا أن الملف الجنوبي أصبح عمليًا ملف الدولة اللبنانية الأولى، وليس ملفًا أمنيًا منفصلًا عن عمل الحكومة. فالمعادلة التي يحاول لبنان تثبيتها هي: الجيش ينتشر ويتحمّل مسؤولياته، وعلى إسرائيل وقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي المحتلة. فيما المنظّمة تعمل على تثبيت معادلة قديمة / جديدة قوامها أنّ الجيش عاجز، وبالتّالي الكلمة ستكون للميدان المفعول به إيرانيًّا. غير آبهة هذه المنظّمة بما قد يحلّ بلبنان كلّه. فبنهاية المطاف من لا يكترث لحياة الذين بايعوه طوال أربعة عقود لن يكترث لحياة وطن لا يعترف بوجوده ولا بانتمائه إليه!
لكنّ فشل الهجوم السياسي على الحكومة اللبنانية، سيدفع الى الانتقال إلى ما هو أبعد بكثير. أي القفز في المجهول قبل وصول أسراب طائرات الأزرق، عسى أن يتحوّل الاحتلال الداخلي إلى ورقة مفاوضات لابتزاز الاحتلال الخارجي. وذلك كلّه خارج إطار الدّولة والحكومة التي تعمل المنظّمة على إسقاطها ليل نهار.
وهذا ما سيربط المساعدات العسكرية بالمسار السياسي. فهناك انطباع بأن جزءًا من الدعم الدولي للجيش مرتبط بتنفيذ قرار حصرية السلاح بيد الدولة، بالتوازي مع مساعدة لبنان دبلوماسيًا في إنهاء الحرب وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي. وهذا ما تدأب المنظّمة على عرقلة تنفيذه لصالح سيطرتها الدّائمة على الساحة اللبنانيّة. وأوّل همّها في هذه المرحلة منع الحكومة من تنفيذ ما عجزت عن تنفيذه قبل نيلها الثقة الثالثة.
ولعلّ هذا ما قد يعيد البحث في ملفات السلاح، وحصرية القرار العسكري، والمفاوضات، والجنوب والإصلاحات الاقتصادية، لكن هذه المرة من خلال قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات وتنفيذها. ولكنّ التجارب حتّى الساعة لا تؤشّر بأيّ شيء إيجابي. لا بل المؤشّرات كلّها سلبيّة ومنسوب هذه السلبيّة آيل إلى الارتفاع في ظلّ التردّد الحكومي بالحسم.
المعادلة الأصعب هي التوفيق بين ثلاثة شروط متعارضة عمليًا:
لبنان يريد حصرية السلاح والقرار الأمني للدولة؛ إسرائيل تريد ترتيبات أمنية تمنع عودة تهديد حزب الله؛ والمجتمع الدولي يريد تقوية الجيش من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية لبنانية. فالفجوة كبيرة بين «خيار الدولة» سياسيًا وبين قدرتها على فرض هذا الخيار ميدانيًا.
وهنا تحديدًا يكمن الاختبار الحقيقي لحكومة سلام: هل تستطيع تحويل الدعم الدولي للجيش والثقة النيابية إلى قدرة فعلية على بسط سلطة الدولة، بالتزامن مع وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانتقال إلى تسوية سياسية للجنوب؟ حتّى الساعة منسوب المؤشّرات السلبيّة يغلب على الواقع كلّه.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير