نظام سياسي فشل في مقاربة المواضيع الحيّويّة

في مراجعة دقيقة لبعض القوانين والإقتراحات ولخطب المسوؤلين، أسوأ ما يمكن أن يصيب شعبنا اللبناني هو التهوّر في بناء حسابات يغلب عليها حنين إلى ماضٍ تعيس، وأسوأ ما يمكن أن يصيب شعبنا هو ما يُعرف ب"التجبُّرْ ورفض النظر في حقائق وافدة والظن أن "الله بيفرجها"...

خاص بوابة بيروت

كل الدلائل الدستورية تشير إلى أنّ النظام المعتمد في الجمهورية اللبنانية هو “نظام برلماني ديمقراطي ” ولكن الممارسة تتناقض مع وضعية هذا النظام ومع معطيات الدستور ونصوصه والقوانين الرديفة … والفوضى في التطبيق للقوانين تراكمت منذ سنين وتطورت نحو الأسوأ منذ توقيع وثيقة الوفاق الوطني كبداية مرحلة إنتهاء الحرب . كل هذه الممارسات دفعت في إتجاه تراكمي من الفوضى ضمن منطق يتناقض مع الأسس التي يُبنى عليها النظام الديمقراطي ، والدليل التنكُر لمبدأ تداول السلطة والتساوي في الحقوق الواجبات وتكافوء الفرص .

كل مسؤول سياسي يوجب عليه القانون الدولي والقوانين المحلية أن يُعنْـوّن عمله السياسي بالديمقراطية – العدالة – المساواة ، لأنّ العمل السياسي هو الطريق إلى تلك العناوين . الدستور في أي نظام سياسي يقول بضرورة إلتزام مؤسسات الدولة وسلطاتها بالدستور وشرعة حقوق الإنسان والعهد الدولي وبالقوانين المرعية الإجراء ، والمنطق العملي لنظامنا السياسي يؤشر إلى أنّ السلطات لا تطبق القانون وهي تتغاضى عن نشأة الفوضى في شتّى مجالاتها .

كثرة المواقف التي تُطلق على ألسنة الساسة والتي تدّعي حماية مصالح الشعب والدولة ، ومن يُراقب الأوضاع العامة في البلاد يتفاجأ بموجة هوس سياسية تحمل عناوين برّاقة تحت مبررات إنشاء : جمعيات – لجان – مجالس تهدف إلى رعاية حقوق الإنسان وهي في معظمها إن دققنا في مضامينها صناعة غُبّ الطلب من قبل النظام السياسي القائم على الدكتاتورية. والسؤال المطروح بدقة وريبة : لماذا هذا الكم من الجمعيات ؟ ولماذا نشأتها في ظل الأوضاع العامة ، وما الغاية منها في هذه المرحلة ؟ نعرف لماذا تتشكل هذه الجمعيات ولكن لا نعرف لأي غاية تمّ تشكيلها … هناك المزيد من الشكوك ولا أجوبة كافية وشافية .

نظام سياسي فاشل يُحارب الحقيقة حيث كلما نادت مجموعة من المثقفين والأكاديميين برأي وأبدتْ إعتراضًا على نهج أو معارضة لأسلوب قام أو أقيم في وجهه من يناهضه ويناقضه ، معتبرًا أنّ هذا الأسلوب يمنع أبناء الوطن من التلاقي بينما خطب وتصاريح المسؤولين تحرَّض وتُضلِّلْ . نظام سياسي فشل في مقاربة أي موضوع سيادي حيوي وهناك تحديات كثيرة تواجه حقوق الإنسان اللبناني حاليا وعلى كل باحث ومسوؤل أن يتذكروا الأعداد الهائلة من المدنيين الذين لا يزالون للسنة الثانية يعيشون تحت وطأة حرب إيران على أرضنا ، ويعانون أشد الويلات وحقوقهم منكورة .

نظام سياسي أبعَـدَ نفسه عن النصوص القانونية طوعًا وعمدًا ، وبقيت النصوص الدستور والقانونية أثناء الممارسة حبرا على ورق وبات المواطن مهدور الحقوق لا ينعم بحياة كريمة فأبواب الهجرة مفتوحة وإمتلأت بالهاربين من خيرة الشباب المتعلم والمتخصص ، والمؤسف أنّ هذه الحالة لم تتعظ من مخاطر الساسة حيث إنتقل المواطن اللبناني من تأييد زعيم إلى أخر وإعلان ولائه المطلق له .

مجلس نوّاب أشبه ب”مجلس دمى” ، والوقائع الملموسة أثبتتْ أنّ أغلبية السلطة التشريعية أن لم نقل جميعهم يحصلون على حصص متنوعة في مزاد المجلس النيابي ، ويدفعون ثمن تلك الأمور التصديق على جميع المشاريع والقوانين المقدمة من رؤساء الكتل . وفي حالة التدقيق في القوانين تظهّرَ لنا : ” مشاريع ذات طابع صلاحيات خاصة ، وقليل من القيود على تصرفات نوّاب الأمّة . ”

في مراجعة دقيقة لبعض القوانين والإقتراحات ولخطب المسوؤلين ، أسوأ ما يمكن أن يصيب شعبنا اللبناني هو التهوّر في بناء حسابات يغلب عليها حنين إلى ماضٍ تعيس ، وأسوأ ما يمكن أن يصيب شعبنا هو ما يُعرف ب”التجبُّرْ ورفض النظر في حقائق وافدة والظن أن “الله بيفرجها ” .

مؤسف أن نكون في نظام سياسي يعيش في أحضانها “مواطن محروم ” لا يستطيع تأمين مكان لأولاده في المدارس الرسمية دون وساطة ، وعادة ما ينتهج مهنة الوساطة النائب أو أحد أتباعه لتوظيفها في الإستحقاق الإنتخابي ، والملفت أنّ هناك أعدادا كبيرة من الأطفال خارج المدرسة لأنهم ليسوا على صداقة مع الوزير.

إنّ الخلل في طبيعة النظام السياسي اللبناني والمتمثِّلْ في عجز نصوص القانون عن تحقيق الأهداف التي أقرتها شرعة حقوق الإنسان تجعل أمر إزالته داخلاً ضمن صلاحيات السلطة التشريعية لأنه يتعلق بإيجاد نصوص جديدة تحقق الحماية المطلوبة وهذا ما ينجم عن رقابة برلمانية فاعلة كما يعرف عنها في علم السياسة .

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك