«دكانة صحية» جديدة أم حقّ صحيّ موحّد؟
هل المشكلة فعلاً في نقص الصناديق، أم في إدارتها وحوكمتها وتعدد مرجعياتها، أم في غياب القرار بتوحيدها ضمن نظام صحي وطني واحد؟
خاص بوابة بيروت
تنعقد اللجان النيابية المشتركة لمناقشة مشروع قانون «الرعاية الصحية الشاملة والإلزامية»، وهو عنوان جميل وحقّ يحتاجه كل لبناني.
لكن السؤال ليس في العنوان… بل في المضمون والنتيجة.
هل نحن أمام إصلاح حقيقي للمنظومة الصحية، أم أمام «دكانة صحية» جديدة تُضاف إلى منظومة الصناديق والجهات الضامنة المتعددة، فتزيد التشظّي بدلاً من أن تنهيه؟
إن تمويل المشروع باقتطاع 5% من حدٍّ أدنى للأجور لا يكاد يكفي المواطن لتأمين أساسيات حياته، مع تجميع رسوم ومصادر تمويل متعددة، قد يؤمّن بدايةً لتغطية صحية، لكنه لا يعالج بالضرورة أصل المشكلة.
فالسؤال الأهم هو: هل المشكلة فعلاً في نقص الصناديق، أم في إدارتها وحوكمتها وتعدد مرجعياتها، أم في غياب القرار بتوحيدها ضمن نظام صحي وطني واحد؟
الإصلاح الحقيقي يبدأ من تجميع المخاطر والموارد ضمن مظلة وطنية موحّدة، واعتماد نظام «المشتري الواحد» (Single-Payer)، بما يمنح الدولة قدرة أكبر على التفاوض مع المستشفيات وشركات الأدوية والمستلزمات، والاستفادة من اقتصاديات الحجم، بدلاً من أن يفاوض كل صندوق منفرداً.
ماذا يعني ذلك للمواطن؟
أولاً: إنهاء إذلال المريض على أبواب المستشفيات.
فالمريض لا يجب أن يتحول مرضه إلى ورقة تفاوض، ولا أن يُطلب منه تأمين آلاف الدولارات مسبقاً أو دفع فروقات لا يعرف أين تذهب، لمجرد أنه دخل المستشفى وهو في أمسّ الحاجة إلى العلاج.
ثانياً: توحيد الحق الصحي.
فالمواطن لا يحتاج إلى «دكانة» جديدة يراجعها للحصول على حقه في العلاج، بل إلى نظام صحي موحّد، شفاف وعادل، تكون فيه التغطية الصحية حقاً ثابتاً، لا مكرمةً ولا واسطةً ولا بطاقةً انتخابية.
يحمل المواطن بطاقته الصحية الوطنية، ويدخل بها بكل احترام وكرامة إلى المستشفى الذي يختاره، سواء كان حكومياً أو متعاقداً مع الدولة، من دون أن يسأل عن اسم الصندوق أو الجهة الضامنة أو من يعرف مَن.
ثالثاً: بناء المستشفيات الحكومية وتطويرها.
فبدلاً من توزيع الموارد على منظومات متفرقة، لماذا لا يُستثمر جزء أساسي منها في تجهيز المستشفيات الحكومية وتحديثها، لتكون شبكة أمان صحية حقيقية، مع إبقاء باب الاستفادة مفتوحاً أمام المستشفيات الخاصة المتعاقدة وفق معايير واضحة وشفافة؟
والأهم أن توحيد الموارد وإدارتها بكفاءة يمكن أن يتيح للدولة هامشاً مالياً إضافياً من الرسوم والاشتراكات والإيرادات المخصصة للقطاع الصحي، يُستثمر في تحديث المستشفيات وتجهيزها بأحدث التقنيات، وتأمين أفضل العلاجات والأدوية، إلى جانب تحسين رواتب الأطباء وأفراد الهيئة التمريضية وسائر العاملين في المستشفيات.
فالصحة ليست أبنية وأجهزة فقط؛ بل هي أيضاً طبيبٌ كفوء، وممرّضٌ مُقدَّر، وموظفٌ يعمل بكرامة، ومريضٌ يتلقى العلاج بكرامة.
عندها يصبح الإنفاق الصحي استثماراً في الإنسان، لا مجرد فاتورة جديدة على الدولة والمواطن.
الرعاية الصحية الشاملة لا تعني أن نضيف صندوقاً إلى الصناديق، بل أن ننتقل من تعدد الجهات إلى وحدة الحق، ومن منطق «مَن يدفع عني؟» إلى سؤال أبسط:
هل الدولة تضمن لي العلاج عندما أمرض؟
المواطن اللبناني لا يريد مكرمةً حين يمرض، ولا يريد واسطةً ليدخل مستشفى، ولا يريد أن يتحول وجعه إلى فرصة لاستجداء المساعدة.
يريد حقاً واضحاً، وبطاقةً صحية واحدة، ونظاماً يحميه ويحفظ كرامته.
هذا هو معنى الرعاية الصحية الشاملة: أن يكون العلاج حقاً للمواطن، لا منّةً عليه.
والقرار اليوم أمام وزارة الصحة واللجان النيابية ومجلس النواب: هل نبني نظاماً صحياً وطنياً موحّداً يضمن حق المواطن وكرامته، أم نضيف «دكانة» جديدة إلى دكاكين التغطية الصحية؟تتر
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير