خاص بوابة بيروت
حين أطلّ خريف ذلك العام، لم يكن طقسًا عابرًا يفصل بين فصلين، بل كان مخاضًا عسيرًا لولادة وطنٍ ظنّ جلّاده أنه رقد في كفن الأبدية. لم تكن الشوارع مجرد حشود تُحصى في دفاتر الأرقام، بل كانت طوفانًا بشريًا هادرًا انبثق من قاع الوجع اللبناني المقموع، وكأن الأرض تحت أقدام الطغاة تنفث حُمَمًا من الغضب المكبوت لتعيد رسم خريطة الوعي. كان ١٧ تشرين زلزالًا مدوّيًا هزّ عرش الطمأنينة المزيّفة، وأسقط أوراق التوت عن عورات نظامٍ شاخ في الاستبداد والتسلّط، فبان عار المنظومة في وضح النهار وكأنها جثّة هامدة تنتظر من يواريها سوءات.
لقد ولد هذا الحراك من رحم الاختناق، ليشكّل طوق نجاةٍ معنويًا كسر حاجز الخوف الأبدي الذي أخرس الأجيال لعقود؛ إذ تجرّأ اللبنانيون لأول مرة على الجهر بما كان يُعدّ في السرّ كفرًا سياسيًا، فتحوّل الجبان إلى صرخة، والمهمّش إلى شعلة، وتهاوت هيبة المقامات المصطنعة أمام جياعٍ يملكون ناصية الحقيقة. وفي تلك الساحات الممتدّة من الشمال إلى الجنوب، ومن العاصمة إلى الجبل، ذابت العصبيات الضيّقة وتلاشت الحدود المصطنعة، وكأن طرابلس الأبيّة، والجنوب الصامد، وبيروت النابضة، والجبل الشامخ، تحوّلت إلى أنفاسٍ لجسدٍ واحد ينبض بوجعٍ مشترك وأملٍ واحد، متجاوزين جدران العزل الطائفي التي بنتها أيدي السياسيين بحرفية شيطانية. ونتيجةً لذلك، أفرز الحراك جيلًا جديدًا من الشباب والواعين الذين يدركون حقوقهم السياسية والاقتصادية بدقّة؛ فصار المال الانتخابي مشبوهًا، والخطابات الشعبوية مدعاةً للسخرية والمساءلة المستمرّة، ولم يعد بالإمكان إطعام الناس بوعود الأمس الكاذبة.
ولكن، على قدر عظمة البدايات، كانت قسوة الاصطدام بواقعٍ معقّد ومحكومٍ ببيئةٍ سياسية واجتماعية شديدة الشراسة. لقد كان غياب الجسم السياسي المنظّم والقيادة الرؤيوية الواضحة بمثابة الثغرة القاتلة؛ فتحوّلت الطاقة العارمة الهادرة إلى صرخاتٍ متفرّقة في مهبّ الريح، تفتقر إلى البوصلة المؤسّسية القادرة على توجيه الضربات في اتجاه هيكل السلطة مباشرة. واصطدم الاندفاع الثوري ببنية طائفية متغلغلة وجذور عميقة تشابكت فيها مصالح الزعامات مع شبكات المال والزبائنية، حيث استطاعت المنظومة بحنكة الماكرين أن تعيد تدوير نفسها، وتلتفّ على المطالب الشعبية، وتفرغ الساحات عبر بثّ الانقسامات الأفقية بين أبناء الوطن الواحد. ومع تلاحق الانهيار المالي الممنهج والأزمات المعيشية الخانقة التي طحنت لقمة عيش المواطن، استُنزفت طاقة الشارع تدريجيًا، فتحوّلت الثورة في وجدان البعض من فعل تغيير مستمر إلى خيبةٍ ثقيلة، وأثقل كاهل العائلات همّ البحث عن الرغيف والبقاء، مما خفّف من وتيرة المواجهة المباشرة وأجبر الكثيرين على الانكفاء نحو الهموم اليومية القاسية.
ورغم كلّ ذلك، لم يمرّ ١٧ تشرين كغيمة صيف عابرة، بل ترك ندوبًا وتداعيات عميقة في البنية النفسية والاجتماعية والسياسية للوطن لا يمكن محوها ببساطة. لقد خسرت المنظومة الحاكمة أي رصيد أخلاقي أو إنساني؛ وبات بقاؤها اليوم محكومًا بقوة الأمر الواقع، والسلاح، والحديد والنار، لا بقبول الناس أو رضاهم. وصحيح أن صخب الساحات قد خفت ظاهريًا بفعل ثقل الأزمات، لكن جمر الوعي لا زال يشتعل تحت الرماد، يترقّب بهدوءٍ لا يخلو من يقظةٍ شرانق الآتي من الأيام، مؤكّدًا أن ما بعد تشرين ليس كما قبله أبدًا. لقد كان ١٧ تشرين طعنةً نجلاء في قلب اليأس، وبدايةً لطريق طويل وموحش، لا مفرّ من نهايته الحتمية نحو العدالة والحرية والكرامة المنشودة.
