خاص بوابة بيروت
عند بدأت بكتابة مقالي هذا، كانت حيرتي الأساسية ما هو العنوان المناسب لثورة 17 تشرين؟ فكان الحل الوحيد أن يكون هو العنوان العريض. جيل انتفض من أجل المستقبل … فوجد نفسه يبحث عنه خارج الوطن.
في السابع عشر من تشرين الأول عام 2019، شهد لبنان واحدة من أروع الانتفاضات الشعبية والشبابية في تاريخ جمهوريته. خرج اللبنانيون إلى الشوارع والساحات، من شمال الوطن إلى جنوبه، ومن بقاعه إلى عاصمته، حاملين غضباً تراكم لعقود، وأملاً بأن يكون ذلك اليوم بداية النهاية لمنظومة سياسية أنهكت الدولة، وأفقرت مؤسساتها، وصادرت مستقبل أجيالها.
كان المشهد استثنائياً. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدا وكأن اللبنانيين اكتشفوا أن ما يجمعهم أكبر مما يفرّقهم، وأن الوطن يمكن أن يكون أقوى من الطائفة، وأن صوت المواطن يمكن أن يرتفع فوق صوت الزعيم. لكن بعد سبع سنوات، لا بد من طرح السؤال الذي يتهرّب منه كثيرون، هل كانت ثورة 17 تشرين بداية ولادة وطن جديد، أم أنها انتهت إلى واحدة من أقسى خيبات الأمل الوطنية؟
سبع دولارات أشعلت وطناً… ومليارات ضائعة لم توحّد أبناءه
بدأت الشرارة بقرار فرض رسم يومي على استخدام تطبيق واتساب، بقيمة تقارب الست دولارات شهرياً. قرار صغير نسبياً، لكنه فجّر غضباً شعبياً هائلاً. لم يكن اللبنانيون غاضبين من بضعة دولارات فحسب، بل من عقود من الفساد، وانقطاع الكهرباء، وتردّي الخدمات، والبطالة، والضرائب، والوعود التي لم تتحقق. ومع ذلك، فإن المفارقة التاريخية المؤلمة تستحق أن نتوقف عندها طويلاً.
كيف استطاع قرار يتعلق ببضعة دولارات أن يدفع مئات الآلاف إلى الشوارع، فيما لم تتكوّن لاحقاً حركة وطنية مستدامة بالزخم نفسه، رغم احتجاز الودائع وضياع جنى أعمار الناس؟ وكيف اجتمع اللبنانيون للاعتراض على رسم مالي محدود، ثم عجزوا عن تشكيل جبهة وطنية دائمة للمطالبة بحقوق المودعين ومحاسبة المسؤولين عن الانهيار المالي؟
أين ذهب ذلك الغضب؟ وأين اختفت تلك الأصوات؟ وأين أصبحت وحدة الشارع التي أرعبت السلطة، ولو لأيام؟
وهنا تبدأ الشكوك السياسية المشروعة. هل أُجهضت الانتفاضة من الداخل؟ هل استُخدمت بعض ساحاتها لخدمة حسابات سياسية؟ هل نجحت المنظومة في تفكيكها بعدما أدركت خطورتها؟ هذه أسئلة تستحق التحقيق والنقاش، لا إطلاق الأحكام المسبقة بشأنها. فالأزمة المصرفية لم تولد من رحم الانتفاضة؛ جذورها تعود إلى سنوات من الفساد، والسياسات المالية والاقتصادية غير المستدامة.
لكن ما يصعب تبريره أن شعباً استطاع أن يهزّ السلطة في أيام، لم يستطع أن ينتزع منها بعد سنوات مساراً واضحاً وعادلاً لاستعادة حقوقه المالية.
كلّن يعني كلّن… حتى وصلنا إلى زعيم الطائفة
لم يكن شعار “كلّن يعني كلّن” مجرد عبارة هتف بها المتظاهرون. كان إعلاناً سياسياً بالغ الجرأة، ينفي الحصانة الشعبية عن أي مسؤول شارك في إدارة الدولة وإنتاج أزماتها. لكن هذا الشعار اصطدم سريعاً بالتناقض الأكبر في الحياة السياسية اللبنانية. فبعض الذين رفعوه، لم يكونوا مستعدين لتطبيقه على زعمائهم.
كان المطلوب إسقاط المنظومة، ولكن عندما وصل النقاش إلى أسماء بعينها، ظهرت الخطوط الحمراء. هذا الزعيم يمثل الطائفة، وذاك يحمي الحقوق، والآخر لا يجوز المساس به حفاظاً على التوازنات. وهكذا، عاد الخوف القديم ليتقدّم على الأمل الجديد. وكأن اللبنانيين أرادوا تغيير الطبقة السياسية، شرط ألا يَطال التغيير الشخص الذي يعتبرونه ضمانة لطائفتهم أو جماعتهم. طالب البعض بإسقاط جميع الزعماء، لكنه أراد أن يبدأ الإسقاط من زعماء الآخرين.
ومن هنا بدأت الأزمة الحقيقية للانتفاضة. لا يمكن بناء ثورة وطنية بمعايير انتقائية. ولا يمكن المطالبة بدولة المواطنة مع الاحتفاظ بالولاء السياسي والطائفي بوصفه الملاذ الأخير عند أول اختبار. لقد اصطدمت شعارات التغيير بالبنية النفسية والسياسية ذاتها التي سعت إلى تغييرها.
ثورة متعددة الأصوات… ولكن أين كان المشروع الواحد؟
أحد أكثر جوانب انتفاضة 17 تشرين إثارة للدهشة أنها جمعت فئات شبابية واجتماعية ومهنية متنوعة، لكنها لم تستطع تحويل هذا التنوّع إلى مشروع سياسي ومؤسسي متماسك. كان هناك شباب يريدون إسقاط النظام الطائفي، وآخرون يريدون إصلاحه. مجموعات تطالب بحكومة مستقلة، وأخرى بانتخابات مبكرة، وفئات تضع مكافحة الفساد في المقدمة، بينما تتبنى مجموعات أخرى أولويات اقتصادية واجتماعية مختلفة. ليس اختلاف الآراء عيباً، بل هو من طبيعة أي مجتمع ديمقراطي.
لكن المشكلة أن الانتفاضة لم تستطع إنتاج آلية تنسيق وطنية تحوّل الاختلاف إلى برنامج مشترك، وتُحدّد الأولويات، وتُوزّع المسؤوليات، وتضع استراتيجية للتفاوض والمساءلة والاستمرار. كانت الساحات ممتلئة بالمطالب، لكنها افتقرت إلى مؤسسة سياسية جامعة قادرة على إدارة تلك المطالب. كانت تملك القدرة على التعبئة، ولكنها لم تمتلك بالقدر الكافي القدرة على الانتقال من الاحتجاج إلى إدارة التغيير.
الثورة ليست فقط أن تعرف ما الذي ترفضه؛ الثورة أن تعرف بدقة ما الذي تريد بناءه، وكيف ستبنيه، ومن سيتحمل مسؤولية تحقيقه. وهذا ما يجعل تجربة 17 تشرين درساً استراتيجياً في فشل إدارة الحركة السياسية، لا مجرد قصة احتجاج لم يحقق جميع أهدافه.
القطاع الخاص… الخوف على الوظيفة أقوى من المطالبة بالدولة
وسط تلك المواجهة الوطنية، وجد كثير من الموظفين أنفسهم أمام معادلة قاسية: المشاركة في التحركات أو العودة إلى أعمالهم حفاظاً على مصادر رزقهم. وقد تحدّث مشاركون عن ضغوط مهنية للعودة إلى العمل، وهي ممارسات تحتاج إلى التوثيق عند نسبتها إلى مؤسسات محددة. لكن القضية الأعمق تكمن في هشاشة العلاقة بين المواطن وحقوقه الاقتصادية.
وهكذا لم يعد السؤال مقتصراً على موقف الشركات من الانتفاضة، بل أصبح سؤالاً عن دولة تترك مواطنيها أمام الاختيار بين الدفاع عن حقوقهم وحماية لقمة عيشهم.
من وحدة الساحات إلى انقسام اللبنانيين
في الأيام الأولى، رسم اللبنانيون صورة جميلة عن أنفسهم. أعلام لبنانية، أغانٍ وطنية، ساحات تجمع أبناء مناطق وطوائف مختلفة، وشباب يتحدثون بلغة مستقبلية تكاد تكون غائبة عن خطابات السلطة.
لكن تلك الصورة لم تصمد كما تمنّى أصحابها. عادت الاتهامات المتبادلة، واستُحضرت الانقسامات السياسية والطائفية، وتحوّل الخلاف حول أهداف الانتفاضة ووسائلها إلى صراعات بين بعض المجموعات التي شاركت فيها. لا يجوز القول إن الانتفاضة وحدها صنعت هذا الانقسام؛ فالانقسام كان قائماً قبلها بسنوات طويلة.
لكن المؤلم أنها لم تتمكن من تجاوزه بصورة مستدامة. بل كشفت أن اللبنانيين يستطيعون الاجتماع على رفض الواقع، لكنهم يختلفون بعمق عندما يُطلب منهم الاتفاق على البديل. لقد التقى اللبنانيون في الساحات كمواطنين غاضبين، ثم عاد كثيرون منهم إلى السياسة من أبواب الهويات والولاءات القديمة. وهذا ربما كان أشد إخفاقاتها إيلاماً.
إلى الذين ما زالوا يسمّون أنفسهم “كوادر الثورة”
من حق كل شاب شارك في 17 تشرين أن يعتز بشجاعته وموقفه الوطني، ومن حق المجموعات التي نشأت خلالها أن تواصل نشاطها السياسي والمدني. لكن من يقدّم نفسه اليوم بوصفه أحد كوادر تلك الانتفاضة، عليه أن يقبل بالمساءلة أيضاً. ما المشروع الذي حملتموه؟ وما المؤسسات التي أسّستم لها؟ وكيف عالجتم الانقسامات بينكم؟ وكيف حاسبتم قياداتكم وممثليكم؟ وأين هي النتائج التي يمكن قياسها بعد مرور هذه السنوات؟
ليس المطلوب أن يكون كل من شارك في الانتفاضة مسؤولاً عن إنقاذ لبنان. فهذه مسؤولية لا يمكن تحميلها للمتظاهرين بدلاً من السلطات الدستورية والمؤسسات العامة. لكن المطالبة بقيادة التغيير تفرض مسؤولية سياسية وأخلاقية تتجاوز مجرد المشاركة في الاحتجاجات. لا يكفي أن تقول إنك كنت في الساحة. الأهم أن تشرح ماذا فعلت بعد أن غادرتها.
فالصفة الثورية لا تمنح صاحبها حصانة دائمة من النقد، ولا تتحوّل الذكريات إلى إنجازات لمجرد تكرار الحديث عنها. والأوطان لا تُبنى بتاريخ المشاركة في الانتفاضات، بل بالقدرة على تحويل المطالب إلى سياسات ومؤسسات ونتائج.
هل وُلدت من الثورة سلطة جديدة أم أُعيد إنتاج السلطة القديمة؟
يذهب بعض اللبنانيين إلى وصف شخصيات أو قوى سياسية وصلت لاحقاً إلى مواقع القرار بأنها من نتاج 17 تشرين. قد يصحّ ذلك على تجارب سياسية محددة، لكنه لا يصحّ تعميمه على الحكومات المتعاقبة أو تحميل الحركة الشعبية بكاملها مسؤولية قرارات من تسلّم السلطة لاحقاً.
ومع ذلك، فإن كل من يقدّم نفسه بوصفه امتداداً لانتفاضة 17 تشرين، يصبح مطالباً بالإجابة عن أسئلة واضحة، أين مشروع إصلاح الدولة؟ وأين خطة إعادة هيكلة القطاع المصرفي؟ وأين العدالة للمودعين؟ وأين استقلال المؤسسات؟ وأين المحاسبة والشفافية والإدارة العامة القائمة على الكفاءة؟
فإذا أصبحت لغة التغيير مجرد عنوان جديد لممارسة سياسية قديمة، فهذه ليست نتيجة تليق بحجم التضحيات التي قدّمها الناس. ولا ينبغي تحويل الانتفاضة إلى شهادة منشأ سياسي تمنح شرعية تلقائية لمن يتسلّم منصباً عاماً. فالشرعية السياسية تُختبر بالبرامج والإنجازات والمساءلة، لا بالانتماء إلى لحظة احتجاجية، مهما كانت تاريخية.
جيل انتفض من أجل المستقبل… ثم وجد نفسه يبحث عنه خارج الوطن
من أقسى المشاهد اللبنانية أن أعداداً كبيرة من الشباب الذين حلموا بالتغيير وجدوا أنفسهم لاحقاً أمام واقع اقتصادي واجتماعي يدفعهم إلى التفكير بالهجرة. لكن الهجرة لم تكن نتيجة الانتفاضة وحدها. لقد ارتبطت بالانهيار المالي، وفقدان فرص العمل، وتدهور الخدمات، وانعدام اليقين، والصدمات المتلاحقة التي أصابت البلاد.
والمأساة هنا أن الشباب الذين رفعوا شعار بناء لبنان جديد، لم يجد كثيرون منهم الظروف اللازمة لبناء مستقبلهم في لبنان نفسه. كانوا يريدون وطناً يستحق البقاء فيه. لكن الدولة لم تستطع أن تمنحهم الثقة بأن الغد سيكون أفضل من الأمس.
لماذا أخفقت 17 تشرين في إنتاج التغيير المنشود؟
لأن الغضب، مهما بلغ حجمه، لا يكفي وحده لإصلاح دولة. ولأن إسقاط حكومة لا يعني بالضرورة تغيير قواعد النظام السياسي. ولأن الاحتجاج لا يتحول تلقائياً إلى مشروع وطني.
ولأن القوى التقليدية تمتلك أدوات تنظيمية ومؤسسية وشبكات نفوذ لم تستطع الحركة الاحتجاجية مجاراتها بصورة متماسكة. ولأن معظم محاولات التغيير في المجتمعات المنقسمة تصطدم بسؤال جوهري: هل الولاء النهائي للدولة أم للزعيم أم للطائفة؟
لكن ينبغي أيضاً الاعتراف بأن الانتفاضة لم تكن بلا أثر. لقد كسرت محظورات في الخطاب العام، وفتحت مساحات لمساءلة القوى السياسية، وأنتجت تجارب مدنية وسياسية جديدة. إنكار ذلك لا يخدم النقد، تماماً كما أن تضخيم هذه النتائج لا يجعل منها تحولاً وطنياً ناجزاً. فالمعيار الحقيقي ليس فقط ما كسرته الانتفاضة من صمت، بل ما استطاعت أن تبنيه من بدائل مستدامة.
الخيبة الكبرى ليست سقوط الثورة… بل بقاء أسبابها
في النهاية، ليست مأساة 17 تشرين أن المتظاهرين عادوا إلى منازلهم. فالمأساة أن المطالب التي أخرجتهم من منازلهم بقي معظمها بلا حلول جذرية. ليست الخيبة أن شعارات الثورة تراجعت، فالخيبة أن المؤسسات لم تتحوّل بالقدر المطلوب إلى مؤسسات أكثر كفاءة واستقلالية ومساءلة. وليست المشكلة أن الناس لم يعودوا يملؤون الساحات. المشكلة أن اللبناني لا يزال يواجه أسئلة وجودية عن أمواله، وعمله، ومستقبل أولاده، وقدرة دولته على حمايته وتقديم الخدمات الأساسية له.
بعد سبع سنوات، لا يحتاج لبنان إلى من يطالب اللبنانيين بالثورة مرة أخرى قبل أن يقدّم لهم تصوراً جدياً عما يليها. يحتاج إلى مشروع وطني لإدارة الدولة، إلى إصلاح مؤسساتها، إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والحكومة، وإلى الانتقال من السياسة القائمة على تقاسم النفوذ إلى السياسة القائمة على إدارة الشأن العام.
فلبنان لا تنقصه الانتفاضات، بل تنقصه القدرة المؤسسية والسياسية على تحويل مطالب الناس إلى إصلاحات قابلة للتنفيذ والمحاسبة.
في 17 تشرين، خرج اللبنانيون وهم يهتفون “كلّن يعني كلّن”. وبعد سبع سنوات، يبقى السؤال، هل كنا مستعدين فعلاً لأن نعني بها الجميع، أم أننا كنا نريد تغيير الوطن من دون أن نغيّر علاقتنا بمن يحكمونه؟
ما أجملها من ذكرى… وما أقساها من خيبة أمل
لكن الخيبة الأكبر ستكون أن تمرّ سنوات أخرى، فلا نتعلم من تلك التجربة شيئاً، ونعود لنطالب بدولة جديدة ونحن لا نزال ندافع عن القواعد القديمة التي منعت قيامها.
فالثورة التي لا تتحوّل إلى مشروع دولة، قد تصبح ذكرى وطنية جميلة، لكنها لن تصبح بالضرورة مستقبلاً وطنياً مختلفاً.
