اليسار الفرنسي والهجرة: أزمة هوية تتجاوز حدود السياسة
الدولة التي تعجز عن إدارة الهجرة تخاطر بتعميق الانقسام داخل مجتمعها، والسياسة التي تخشى مواجهة الحقائق تترك الأزمات تتفاقم.
خاص بوابة بيروت
تعيش فرنسا أزمة تتجاوز الخلافات الحزبية والاقتصادية، لتطال هوية المجتمع ومستقبله وقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها. وفي قلب هذه الأزمة، يبرز اليسار الفرنسي، الذي يروّج جزء منه لسياسات هجرة متساهلة، ويقدّم في كثير من الأحيان الاعتراض على هذه السياسات باعتباره موقفًا عنصريًا، بدل التعامل معه بوصفه نقاشًا مشروعًا حول السيادة والأمن والاندماج.
إنّ الهجرة ليست مشكلة بحدّ ذاتها، لكنّها تتحوّل إلى تحدٍّ خطير عندما تتجاوز قدرة المؤسسات على الاستيعاب، أو عندما تغيب سياسة واضحة تضمن احترام القوانين والاندماج في المجتمع المضيف. فالدولة ليست مجرّد مساحة جغرافية مفتوحة، بل مجتمع يقوم على تاريخ وثقافة ولغة وقواعد مشتركة. ومن حقّ الفرنسيين أن يتساءلوا عن مستقبل هذه العناصر، وأن يطالبوا بسياسة هجرة تضبط الأعداد، وتحدّد الأولويات، وتفرض احترام القانون على الجميع.
تكمن إحدى مشكلات الخطاب اليساري في التعامل مع الهجرة من منظور أخلاقي صرف، كأنّ المطالبة بضبط الحدود تعني رفض الإنسان، وكأنّ حماية حقوق المهاجرين تقتضي تجاهل واجباتهم. لكنّ التعاطف لا يمكن أن يكون بديلًا عن السياسة، وحقوق الإنسان لا تعني إلغاء حقّ الدولة في تحديد شروط الدخول والإقامة. كما أنّ تجاهل صعوبات السكن والمدارس والخدمات العامة، ومخاوف المواطنين بشأن الأمن والاندماج، لا يحلّ هذه المشكلات، بل يترك المجال أمام التطرّف والاستقطاب.
ويزداد التحدّي عندما يفشل بعض الوافدين في الاندماج، أو يرفضون احترام القوانين والقيم الأساسية للجمهورية، ولا سيّما المساواة بين الرجل والمرأة وحرية المعتقد وسيادة القانون. ولا يجوز تعميم هذه الممارسات على المهاجرين العرب أو المسلمين، لكنّ رفض التعميم لا ينبغي أن يتحوّل إلى ذريعة لتجنّب مناقشة المشكلات الفعلية. فالاندماج ليس مجرّد إقامة على الأراضي الفرنسية، بل مشاركة في المجتمع وقبول بالقواعد التي تنظّم الحياة المشتركة.
وفي موازاة ذلك، تثير الاحتجاجات التي تشارك فيها تيارات يسارية تساؤلات حول توظيف القضايا الخارجية، ولا سيّما القضية الفلسطينية، في الصراع السياسي الداخلي. فالتضامن مع الشعب الفلسطيني حقّ مشروع، لكنّ تحويله إلى أداة دائمة للتعبئة الحزبية، بالتزامن مع تهميش مشكلات الفرنسيين، قد يعمّق الانقسام بدل أن يقدّم حلولًا. فالقضية الإنسانية لا ينبغي أن تصبح وسيلة لتجنّب النقاش حول الهجرة والاقتصاد والأمن والاندماج.
إنّ فرنسا لا تحتاج إلى خطاب يختزل كلّ اعتراض على الهجرة في العنصرية، ولا إلى خطاب يعادي المهاجرين جماعيًا. تحتاج إلى سياسة واضحة تحمي حدودها، وتكافح الهجرة غير النظامية، وتفرض تطبيق القانون، وتربط الإقامة بشروط اندماج جدّية، مع احترام كرامة الإنسان وحقوقه.
فالدولة التي تعجز عن إدارة الهجرة تخاطر بتعميق الانقسام داخل مجتمعها، والسياسة التي تخشى مواجهة الحقائق تترك الأزمات تتفاقم. والتحدّي الحقيقي أمام فرنسا هو التوفيق بين إنسانيتها وسيادتها، من دون التضحية بإحداهما لإرضاء الشعارات الأيديولوجية.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير