في الذكرى السابعة لـ ١٧ تشرين : كيف نحفظ الفرصة المتبقية؟

خاص بوابة بيروت

تولد الثورات فجأة، ولا تصنعها حادثة منفردة. إنها حصيلة تراكم طويل من المعاناة والظلم وانسداد أبواب الإصلاح، إلى أن تأتي لحظة يشعر فيها الناس أن الصمت لم يعد ممكنًا. هكذا جاءت انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، تعبيرًا عن غضب تجاوز القرار الذي أشعل الشارع، إلى الاعتراض على سنوات من الفساد وسوء الإدارة وتآكل الثقة بالدولة ومؤسساتها.

وفي ذكراها السابعة، نحتاج إلى مراجعة صادقة تنصف ما أضاءته، وتعترف بما تعثّر فيها، وتسأل عمّا يمكن إنقاذه اليوم.

فقد كانت 17 تشرين شمعة مضيئة في سماء لبنان، ولحظة التقى فيها اللبنانيون على مطلب الكرامة والمحاسبة. لكنها فتحت بابًا للتغيير أوسع من قدرتها على تنظيم صفوفها وبناء مشروع سياسي يحمل مطالب الناس ويضمن استمرارها.

لماذا تتكرر هذه الفجوة في لبنان بين حجم الأمل وحجم الإنجاز؟ ولماذا نبرع في إطلاق الفرص، ثم نتعثر في استثمارها؟

وحتى نكون منصفين في تقييم هذة التجربة وان يكون النقد إيجابي ويهدف إلى الاستفادة من العثرات والتطلع إلى عدم الوقوع بها مرة اخرى ، ينبغي علينا التحدث بموضوعية وشفافية للوصول إلى النتائج المرجوة وأن تُقاس النتائج بالإمكانات المتاحة.

لقد واجهت 17 تشرين منظومة متجذرة، تتشابك فيها المصالح السياسية والمالية وشبكات المحاصصة والزبائنية والتي تجلت في جميع القوى السياسية التي كانت تدير دفة الحكم منذ أربعون سنة “وهي ما يُشار إليه بالدولة العميقة”. لكن قوة هذه المنظومة لا تعفينا من مراجعة مسؤوليتنا.

لم نحسن تحويل الزخم الشعبي إلى أولويات مشتركة وتنظيم قادر على الاستمرار. وأقول «لم نحسن» لأنني أضع نفسي ضمن هذه المسؤولية، لا خارجها. فالاعتراف بالتقصير شرط لتصحيح المسار.

ثم جاءت فرصة نواب التغيير. كان الوصول إلى المجلس النيابي بدايةً يفترض أن يتبعها تنسيق دائم وبرنامج واضح. غير أن التباينات وضعف العمل المشترك حدّا من القدرة على التأثير. وهذا لا يلغي جهودًا بُذلت ومواقف تستحق التقدير، لكنه يجعل مراجعة الأداء واجبة. فالاختلاف مشروع، أما بقاء المشترك بلا ترجمة عملية فيُضعف ثقة الناس وجدوى التمثيل.

واليوم، تبرز حكومة الرئيس نواف سلام بوصفها فرصة إصلاحية لا يجوز التسليم بأنها ضاعت. وما يمثله رئيسها لدى كثيرين من أمل في نهج مختلف يضاعف مسؤولية الحكومة عن ترجمة هذا الأمل إلى خيارات ونتائج. والتوقعات المرتفعة التي رافقتها تجعل مساءلة قراراتها، من التشكيل إلى التعيينات والأداء، أمرًا طبيعيًا وضروريًا.

فالخطاب الإصلاحي والعلاقات الدولية يحتاجان إلى ترجمة داخلية يلمسها المواطن: معايير معلنة للكفاءة والنزاهة، واحترام للمؤسسات واستقلال القضاء، وقدرة على مواجهة المحاصصة. وكل تعثّر في هذه المجالات يستوجب التصحيح، وكل خطوة سليمة تستحق الدعم.

وتزداد هذه المسؤولية في ظل الضائقة الاقتصادية والمعيشية. فبعد سبع سنوات على اندلاع الأزمة، لا تزال قضية الودائع واستعادتها جرحًا مفتوحًا. يشعر المودع وكأنه يُعاقَب لأنه وثق بالمصارف وبالجهات الرسمية التي يفترض أن تراقبها. وفي الوقت نفسه، تثقل كلفة التعليم والاستشفاء وتأمين العيش الكريم كاهل الأسر، بينما تؤكد المؤشرات الراهنة عمق الصعوبات الاقتصادية.

أمام هذا الواقع، تصبح المسؤولية أوسع من رئيس جمهورية وحكومة أو مجموعة نواب. المطلوب تعاون جاد بين الحكومة والمجلس النيابي، وفي طليعته النواب الذين يحملون مشروع التغيير، والقوى الإصلاحية والمجموعات الشعبية، على أولويات محددة تحمي حقوق الناس. فالتغيير لا يملكه أحد، ولكل من ينادي به نصيب من واجب إنجاحه.

وحماية الفرصة تبدأ بالانتقال من النقد العام إلى مطالب قابلة للمتابعة: معايير شفافة للتعيينات، ومسار عادل وواضح لمعالجة الودائع وتوزيع الخسائر، وخطوات لتعزيز الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية. وعلى الحكومة أن تعلن مراحل التنفيذ ومهله، وأن تعرض ما أنجزته وما تعثّر وأسباب التعثّر. عندها يصبح الدعم مرتبطًا بالأداء، وتصبح المحاسبة قائمة على نتائج.

نعرف أن التغيير تراكمي، وأن إرثًا بهذا الثقل لا يُعالَج دفعة واحدة. لكن التراكم يحتاج إلى خطوات مرئية ضمن مهل معقولة؛ فلا يمكن مطالبة اللبنانيين بانتظار مفتوح، وهم يدفعون كل يوم من مدخراتهم وصحتهم ومستقبل أبنائهم.

في الذكرى السابعة لـ17 تشرين، نريد للنقد أن يساعد على إنجاح الفرصة، وللأمل أن يقترن بالعمل والمسؤولية. لا نريد لهذه الحكومة أن تصبح فصلًا جديدًا في سجل الفرص الضائعة. وما دامت الفرصة قائمة، يبقى السؤال الذي يحمّلنا جميعًا مسؤولية الإجابة: كيف نحفظ الفرصة المتبقية، ونحوّلها إلى نتائج يلمسها اللبنانيون في حياتهم؟

اخترنا لك