١٧ تشرين والاقتصاد اللبناني : معضلة الخسائر وشروط التعافي

خاص بوابة بيروت

يكن انهيار 2019 مجرد أزمة نقدية، بل انكشافًا لاختلالات بنيوية في العلاقة بين الدين العام والقطاع المصرفي والاقتصاد الحقيقي. فقد تجاوز الانكماش التراكمي للناتج المحلي الحقيقي 38% بحلول نهاية 2024، وفق تقديرات البنك الدولي، فيما تقلّصت ميزانيات المصارف التجارية بنحو 60% بين حزيران 2019 وحزيران 2025، وتراجعت مطالباتها على العملاء إلى 5.5 مليارات دولار. تكشف هذه المؤشرات حجم التحول الذي أصاب الاقتصاد: من نظام يعتمد على الوساطة المصرفية وتدفقات الأموال إلى اقتصاد محدود التمويل، تتراجع فيه القدرة على الاستثمار والإنتاج.

لكن الخلل لا يكمن في حجم الخسائر وحده، بل في غياب تسوية شاملة تحدد مصادرها وكيفية توزيعها. فالخسائر المالية لا تختفي بتأجيل الاعتراف بها؛ بل تتغير كلفتها وتنتقل آثارها بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف وأصحاب الحقوق والاقتصاد ككل. وكلما تأخر تحديدها، اتسعت مساحة عدم اليقين، وتراجعت القدرة على اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل. لذلك، فإن نقطة الانطلاق لأي تعافٍ جدي هي تدقيق مستقل وشفاف في الأصول والالتزامات، يتيح تحديد الخسائر الفعلية والتمييز بين المسؤوليات المالية المختلفة.

يقتضي ذلك إطارًا قانونيًا متكاملًا لإعادة هيكلة المصارف وتسوية الالتزامات، يحترم ترتيب المطالبات، فلا تُحمَّل الودائع الخسائر قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة، وفق المعايير التي شدّد عليها صندوق النقد الدولي في أيلول 2026. كما ينبغي أن تستند آلية استرداد الحقوق إلى تقييم واقعي للموارد المتاحة، وجدول زمني واضح، وضمانات تمنع نقل الخسائر إلى المال العام من دون تحديد مصادر التمويل وكلفتها على الدين والاستدامة المالية. فالحماية الفعلية للحقوق لا تتحقق بوعود غير قابلة للتنفيذ، بل بخطة قابلة للتمويل والمراجعة.

غير أن إعادة التوازن إلى الميزانيات لا تكفي لإنعاش الاقتصاد. فالتعافي يحتاج إلى استعادة الائتمان وتوجيهه نحو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والقطاعات القادرة على زيادة الإنتاج والتصدير وخلق فرص العمل. ويتطلب ذلك بيئة تنظيمية مستقرة، ومنافسة أكثر فاعلية، وإجراءات تحدّ من كلفة المعاملات، إلى جانب إصلاح الإدارة الضريبية وتوسيع الامتثال من دون تحميل النشاط المنتج أعباءً غير متناسبة. فالاقتصاد الذي يفقد قدرته على التمويل لا يستطيع استعادة النمو بمجرد استقرار سعر الصرف.

وفي المالية العامة، لا ينبغي اختزال الإصلاح في خفض العجز أو ضبط النفقات. المطلوب إطار متوسط الأجل يربط إدارة الدين بكفاءة الإنفاق، وتحسين الإيرادات، وأولويات الاستثمار العام، وحماية الخدمات الأساسية. فالاستدامة المالية لا تنفصل عن القدرة الإنتاجية: تقليص الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة قد يخفف الضغط المالي الآني، لكنه يرفع كلفة التعافي ويضعف إمكانات النمو مستقبلًا.

بعد سبعة أعوام على 17 تشرين، يبقى الاختبار الحقيقي هو الانتقال من إدارة آثار الانهيار إلى معالجة أسبابه. وهذا يقتضي الاعتراف بالخسائر، وتسوية الالتزامات وفق قواعد واضحة، وإعادة بناء الوساطة المصرفية، وإصلاح المالية العامة، وإخضاع القرارات المالية للشفافية والرقابة. فالمشروعية والمساواة وحماية الحقوق ليست بديلًا من الحلول الاقتصادية، بل ضمانات تحكم تنفيذها وتحدّ من إعادة إنتاج الاختلالات.

إن التعافي لا يبدأ بمجرد تحسن المؤشرات، بل عندما يصبح الاقتصاد قادرًا على تمويل الإنتاج، وتوليد الدخل، وجذب الاستثمار ضمن قواعد مستقرة. وهذا هو الدرس الاقتصادي الأعمق لـ17 تشرين: لا يمكن استعادة الثقة عبر تثبيت النتائج وحدها، ما دامت البنية التي أنتجت الخسائر لم تخضع لإصلاح قابل للقياس والمساءلة.

اخترنا لك