من مطمر الناعمة إلى كل لبنان : لننزع فتيل قنبلة النفايات
لقد دفع أهالي الناعمة ثمناً باهظاً لمنظومة حمّلت منطقة واحدة أعباء مناطق كثيرة. والوفاء لتلك التجربة يقتضي تغيير السياسة التي أنتجتها، حتى لا يُطلب من أهالي كل منطقة تحمّل المأساة نفسها...
خاص بوابة بيروت
حين تحرّكنا للمطالبة بإقفال مطمر الناعمة، كنّا نحذّر من سياسة ستملأ كل مطمر جديد وتعيد إنتاج الأزمة نفسها: نفايات مختلطة، معالجة محدودة، مركزية تُبعد البلديات عن مسؤولياتها، وتمديد متكرّر لحلول قيل إنها مؤقتة.
لم يمتلئ المطمر فجأة. كان امتلاؤه نتيجة خيارات استمرّت سنوات، فيما كانت التحذيرات تتراكم مع النفايات. وقد وثّق تقرير منشور على موقع وزارة البيئة تجاوز المطمر قدرته التصميمية واستمرار تمديد تشغيله وعقود الشركات في غياب بدائل كافية. لذلك، فإن اختزال أزمة ٢٠١٥ بإقفال المطمر يقلب الوقائع: الأزمة كانت قائمة قبل الإقفال، والإقفال كشف حجمها.
واليوم، أخشى أن تتحوّل تجربة الناعمة إلى تجارب تتكرّر في مختلف المناطق. قنبلة النفايات لا تنفجر في يوم واحد؛ يبدأ فتيلها بكيس مختلط، وعقد سيّئ، ومعمل متوقّف، وبلدية مستبعدة أو متقاعسة، ودولة تؤجّل القرار حتى تصبح الشوارع الخيار الأخير.
بعد جلسة مجلس الوزراء المخصّصة للنفايات في ٢٩ تشرين الأول، والمهلة المحدّدة لتقديم اقتراحات ملموسة، أمامنا فرصة لفرض نقاش جدي حول ما نريد تنفيذه، وكيف سنقيس نجاحه.
البداية باحترام هرمية إدارة النفايات. أي منع إنتاج ما يمكن تجنّبه، والتخفيف، وإعادة الاستعمال والإصلاح، ثم التدوير ومعالجة المواد العضوية، وصولاً إلى استرداد الطاقة من المرفوضات المناسبة، وأخيراً التخلّص الآمن من العوادم. هذا الترتيب يحدّد أولوية الاستثمار والتمويل والتلزيم، ولا يجوز أن يبقى رسماً جميلاً في الدراسات فيما تُصرف الأموال بعكسه.
كل طن يمكن تجنّب إنتاجه يخفّف الحاجة إلى جمعه ونقله ومعالجته. وكل مادة قابلة للتدوير نطمرها نخسرها مرتين: نخسر قيمتها الاقتصادية ونستهلك بها مساحة من المطمر. وكل مادة عضوية نخلطها بالبلاستيك والزجاج والمواد الملوّثة نجعل استردادها ومعالجتها أصعب.
لهذا، لا يجوز أن يُصمَّم الحل على أساس استقبال أكبر كمية ممكنة من النفايات المختلطة لعقود طويلة. يجب أن تتضمّن العقود أهدافاً متصاعدة لتقليل الطمر واسترداد المواد، ومؤشرات معلنة، وحسومات وعقوبات عند الإخلال. المطلوب كشف مدى الالتزام بموجبات المعالجة ومحاسبة أي مخالفة، بدل مكافأة الفشل بتمديد جديد.
أما البلديات، فقد حان وقت دورها الفعلي. عليها أن تعرف كمية النفايات المنتجة في نطاقها، ومكوّناتها، وكلفة إدارتها، ووجهتها النهائية. وأن تنظّم الفرز من المصدر والجمع المنفصل، وتراقب المتعهّد، وتنشر حساباً واضحاً للسكان.
يمكن للبلديات واتحاداتها أن تتشارك منشآت وخدمات بحسب الجدوى العلمية والاقتصادية. فاللامركزية تحتاج إلى تعاون وإمكانات، ولا تستقيم بترك كل بلدة تواجه أزمتها وحدها أو تبحث عن وادٍ ترمي فيه نفاياتها. وعلى الدولة أن تؤمّن التمويل العادل، والدعم الفني، والمعايير والرقابة، حتى تستطيع البلديات تحمّل مسؤولياتها ويصبح ممكناً محاسبتها.
والمواطن شريك كامل في الحل. رمي النفايات في الأودية والأنهار وعلى جوانب الطرق اعتداء على صحة الناس ومياههم وأرضهم. وخلط كل شيء في كيس واحد، رغم توافر خدمة فرز وجمع مناسبة، يعرقل المعالجة ويزيد كلفتها على الجميع.
لكنّ التزام المواطن يحتاج إلى منظومة تحترمه: تعليمات بسيطة، ومواعيد ثابتة، وجمع منفصل، ومعلومات موثوقة عن مصير المواد. لا يمكن أن نطالبه بفرز نفاياته ثم نجمعها أمامه في الشاحنة نفسها. الثقة تُبنى بالخدمة والشفافية، وعندها تصبح المحاسبة عادلة وضرورية.
لنبدأ بفصل المواد العضوية عن المواد الجافة القابلة للتدوير، وفق نظام واضح يناسب كل منطقة، مع مسارات خاصة للبطاريات والأجهزة والنفايات الخطرة. وعلى المؤسسات التجارية والمطاعم والأسواق أن تتحمّل مسؤوليات تتناسب مع حجم ما تنتجه.
وتتحمّل الدولة مسؤولية بناء اقتصاد يستفيد من هذه المواد. لا يكفي أن نجمع الورق والبلاستيك والمعادن إذا بقيت صناعات التدوير تواجه وحدها كلفة الطاقة والتمويل وتقلبات السوق.
نحتاج إلى حوافز مرتبطة بنتائج بيئية مثبتة، وقروض ميسّرة، ومواصفات للمواد المعاد تدويرها، ومشتريات عامة تدعم المنتجات المطابقة لهذه المواصفات. كما يجب تحميل المنتجين والمستوردين حصة من مسؤولية إدارة العبوات والمنتجات بعد استعمالها. ويجب دعم تسويق محسنات التربة الناتجة عن معالجة عضويات مفروزة ونظيفة، بعد التأكد من جودتها وسلامتها.
بهذا يصبح الفرز جزءاً من دورة اقتصادية تؤمّن فرص عمل وتخفّف استيراد المواد الأولية، بدل أن يبقى مبادرة تطوعية معلّقة على حماس الناس.
أما الابتكار، فنحتاجه حيث يحسّن النتائج فعلاً. يمكن للهضم اللاهوائي، حيث تثبت جدواه وتتوافر شروط تشغيله، أن يستفيد من العضويات لإنتاج الغاز الحيوي. ويمكن لأنظمة استرداد العبوات مقابل بدل مالي أن تشجّع إعادتها. ويمكن للأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي تحسين مسارات الجمع، ومراقبة الكميات، وكشف الخلل في التشغيل والفواتير.
لكن لا آلة، مهما تطوّرت، تعوّض عقداً سيّئاً أو إدارة غائبة. تُقيَّم التكنولوجيا بملاءمتها لنفاياتنا وقدرتنا على تشغيلها وصيانتها وكلفتها الكاملة وأثرها البيئي.
وينطبق ذلك على الوقود البديل: يمكن درس إنتاجه من المرفوضات غير الخطرة المناسبة، بعد استرداد ما يمكن تدويره، ضمن مواصفات ورقابة صارمتين على نوعية الوقود والانبعاثات ووجهة استعماله. أما النفايات الخطرة فتحتاج إلى مسارات متخصّصة منفصلة. وتبقى المطامر الصحية ضرورية للعوادم التي يتعذّر استردادها، بكميات تتراجع تدريجياً.
لقد دفع أهالي الناعمة ثمناً باهظاً لمنظومة حمّلت منطقة واحدة أعباء مناطق كثيرة. والوفاء لتلك التجربة يقتضي تغيير السياسة التي أنتجتها، حتى لا يُطلب من أهالي كل منطقة تحمّل المأساة نفسها.
حان الوقت ليتحرّك الجميع بوعي وعلم وإدارة ذكية: الدولة تنظّم وتموّل وتراقب، والبلديات تدير وتحاسب، والمؤسسات تخفّف وتستردّ، والمواطن يفرز ويلتزم ويراقب.
ولنضع أمام الرأي العام أسئلة بسيطة: كم خفّضنا إنتاج النفايات؟ كم استرددنا من المواد؟ كم عالجنا من العضويات؟ كم بقي للطمر؟ وكم كلّف ذلك؟
لننزع فتيل قنبلة النفايات الآن. فكل يوم تأخير يستهلك جزءاً من أرضنا وصحتنا وأموالنا، ويقرّبنا من أزمة جديدة نعرف مسبقاً كيف تبدأ، ونعرف جيداً كيف نتجنّبها.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير