
كاتب ومحلل سياسي
من يُريدُ استبدالَ لبنان بأيِّ محورٍ خارجيٍّ يتحوَّلُ إلى أداةٍ وضيعةٍ ضدَّ «لبنان الرسالة»
لبنانُ المخطوفُ في مسالخِ السفاراتِ والمحاور
#لبنانُ المخطوفُ في مسالخِ السفاراتِ والمحاور
–
بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت
@MirazJundi
لم يَعُدْ لبنانُ يُعاني مجرّدَ أزمةٍ اقتصاديةٍ عابرة، أو فسادٍ سياسيٍّ مألوف، بل يواجهُ اليوم جريمةَ اغتيالٍ ممنهجةٍ تستهدفُ صلبَ الانتماءِ الوطنيِّ ومعنى الكيان نفسه. الكارثةُ الحقيقيةُ أنّ زُمَرًا من الطبقةِ السياسيةِ والحزبيةِ والطائفيةِ خلعت عن نفسها آخرَ ما تبقّى من شرفِ الانتماء، وتوقّفت عن رؤيةِ لبنان وطنًا نهائيًّا يستحقُّ الولاءَ الكامل، لتتعاملَ معه بوصفه مستعمرةً سائبةً لخدمةِ أسيادِ الخارج وتصفيةِ قذاراتِ صراعاتهم الإقليمية والدولية.
لقد حوَّلت هذه الطغمُ المرتزقةُ البلدَ إلى حلبةِ نفوذٍ رخيصة؛ فريقٌ يريدُ لبنانَ محافظةً تابعةً للمشروعِ الإيراني، وآخرُ ما زال يعيشُ بعقليةِ الوصايةِ السورية، وفئةٌ تربطُ قرارَها السياسيَّ بالسفارةِ الأميركية والغرب، فيما تتعاملُ جماعاتٌ أخرى مع السعودية وكأنّها المرجعيةُ السياسيةُ والماليةُ العليا للبنان، بينما لا يزالُ بعضُ النخبِ التقليديةِ يتصرّفُ بعقدةِ الانتدابِ الفرنسي وكأنّ باريس وصيٌّ دائمٌ على الجمهورية.
وفي المقابل، يتحرّكُ طابورٌ سياسيٌّ وإعلاميٌّ ناعمٌ لجرِّ البلاد نحو مساراتٍ تخدمُ مصالحَ الاحتلالِ الإسرائيلي بصورةٍ مباشرةٍ أو مقنّعة.
هكذا، جرى بيعُ الوطنِ في سوقِ النخاسةِ السياسية، وسُحقت كرامةُ الدولة تحت أقدامِ طبقةٍ تدينُ بالولاءِ لطهران، دمشق، واشنطن، الرياض، باريس… وكلِّ العواصمِ إلّا بيروت…
التبعيّةُ ليست وجهةَ نظرٍ… بل عمالةٌ وانهيارٌ وطنيٌّ
ليس عيبًا أن تتأثّرَ قوى سياسيةٌ بتجربةٍ حضاريةٍ أو فكريةٍ خارجَ حدودها. لكنّ الانحطاطَ الوطنيَّ يبدأ حين يتحوَّلُ هذا التأثّرُ إلى ارتهانٍ أعمى، وحين يصبحُ التابعُ أكثرَ إخلاصًا لمشغّليه من إخلاصه لوطنه، فتنحني الرؤوسُ أمام موظّفِ مخابراتٍ أو سفيرٍ أجنبي، وتتحوَّلُ إشاراتُه إلى أوامرَ أعلى من الدستور والعَلَم والجيش والسيادة.
هنا يسقطُ قناعُ «حريةِ الرأي»، وتظهرُ الحقيقةُ العارية: خيانةٌ سياسيةٌ موصوفة، وعدوانٌ مباشرٌ على فكرةِ الدولة.
من يُقدِّمُ إيران على لبنان يعتدي على الهويّةِ اللبنانية.
ومن يرهنُ قرارَه لسورية يطعنُ الاستقلالَ في الصميم.
ومن يُسلِّمُ أوراقَه لأميركا أو فرنسا أو السعودية أو لأيِّ مرجعيةٍ دينيةٍ أو ماليةٍ خارجيةٍ يُجرِّدُ الدولةَ من حصانتِها ويحوِّلُها إلى دميةٍ بائسة.
أمّا من يُبرِّرُ لإسرائيل، أو يضعُ حساباتِها فوق المصلحةِ الوطنية، فيما العدوُّ يحتلُّ أرضًا لبنانيةً ويمارسُ الإرهابَ اليوميَّ ضدَّ سيادتنا، فليس مجرّدَ متواطئٍ سياسي، بل خنجرٌ مسمومٌ في خاصرةِ الوطن.
المعيارُ هنا لا يحتملُ الرماديةَ ولا المواربة، هل لبنان أوّلًا… أم أنكم مجرّدُ أدواتٍ رخيصةٍ عند الخارج؟
لا فرقَ بين عبيدِ المحورِ الشرقيِّ وأزلامِ المحورِ الغربيِّ
أقذرُ الأكاذيبِ الفكريةِ التي حُقنت بها عقولُ اللبنانيين هي الادّعاءُ بأنّ الارتهانَ يصبحُ «شريفًا» إذا تزيَّنَ بشعاراتِ الممانعة، أو أنّ التبعيةَ تصبحُ «حضاريةً» إذا تلحَّفت برداءِ الليبراليةِ الغربية.
الحقيقةُ أكثرُ قذارةً ووضوحًا، العبدُ يبقى عبدًا… مهما بدَّلَ جلبابَه وغيَّرَ لونَ الرايةِ التي يختبئُ خلفها.
فلا فرقَ بين من يريدُ لبنانَ ثكنةً متقدّمةً لإيران، أو حديقةً خلفيةً لسورية، أو محميةً أميركية، أو ساحةً ماليةً سعودية، أو منصّةً فرنسيةً للنفوذ السياسي، أو ورقةً تخدمُ الحساباتِ الإسرائيلية والدولية.
كلُّ هذه الطفيلياتِ السياسيةِ تلتقي عند هدفٍ واحد: سحقُ «لبنان الدولة» وتحويلُه إلى وكرٍ للمخابراتِ والمحاور.
لبنان ليس جائزةَ ترضيةٍ تتقاسمُها طهران وواشنطن والرياض ودمشق وباريس.
وليس صندوقَ رسائلَ مغمَّسًا بالدم.
وليس ساحةً مستباحةً لتصفيةِ الحسابات.
لبنان وطنٌ سيّدٌ مستقلٌّ رغمًا عنهم… أو لا يكون.
عصاباتُ السلاحِ وبؤرُ الوصاية: احتلالٌ مقنَّعٌ بوجوهٍ متعدّدة
حين يُرفَعُ السلاحُ غيرُ الشرعيِّ بوجهِ مؤسساتِ الدولة، وحين يُهدَّدُ اللبنانيون بالدمِ والفتنةِ والحربِ الأهليةِ كلّما طالبَ أحدٌ بسيادةِ القانون وبسطِ سلطةِ الجيش، فنحن لا نكون أمام «توازنٍ طائفيٍّ» أو «خيارِ مقاومة»، بل أمام مشروعِ دويلةٍ عقائديةٍ متوحّشةٍ تُصرُّ على ابتلاعِ الجمهوريةِ وتحطيمِ ما تبقّى من الكيان.
وبالمثل، حين تُطبَخُ القراراتُ المصيريةُ داخلَ الغرفِ السوداءِ في السفاراتِ الإيرانية، أو الأميركية، أو الفرنسية، أو تحت تأثيرِ المالِ السياسيِّ الخليجي، فهذا ليس «دعمًا دوليًّا»، بل صكُّ عبوديةٍ سياسيٍّ كاملِ الأركان.
فالاحتلالُ لم يَعُدْ يحتاجُ دائمًا إلى دباباتٍ وجيوش.
أحيانًا يأتي متخفّيًا خلفَ فتوى عقائدية، أو حقيبةِ مالٍ ملوَّث، أو ماكينةِ تخوينٍ وإرهابٍ فكريٍّ يقودُها جيشٌ إلكترونيٌّ رخيصٌ وظيفتُه تقديسُ العمالة وتحويلُ الارتهان إلى فضيلةٍ وطنية.
«لبنانُ الرسالة» لن يعيشَ تحت العباءاتِ الخارجية
لبنانُ الذي نؤمنُ به ليس زرائبَ مذهبية، ولا ثكناتِ مرتزقة، ولا مستعمرةً تابعةً لأحد.
«لبنانُ الرسالة» قامَ على صخرةِ التعدّدِ والحريةِ والسيادة، لا على عبادةِ الأصنامِ البشريةِ والمحاورِ المستوردة.
وكلُّ من يسعى لاستبدالِ هذا الكيانِ بإيران، أو سورية، أو أميركا، أو السعودية، أو فرنسا، أو بأيِّ محورٍ خارجيٍّ آخر، ينزعُ عن نفسه صفةَ المواطنة، ويتحوَّلُ عمليًّا إلى أداةِ تدميرٍ ضدَّ لبنان الوطن والرسالة، مهما حاولَ تزويرَ مشروعِه بشعاراتٍ دينيةٍ أو ثوريةٍ أو «سياديةٍ» كاذبة.
الوطنيّةُ ليست خطاباتٍ موسميةً فارغة.
الوطنيّةُ عقيدةٌ صلبةٌ تضعُ لبنان فوق إيران وسورية وأميركا والسعودية وفرنسا وإسرائيل… وفوق كلِّ عواصمِ الأرضِ بلا استثناء.
إمّا لبنان… وإمّا السقوطُ في مستنقعِ العمالة
الحقيقةُ الحارقةُ التي يجبُ أن تُقالَ في وجوهِ الجميع بلا خوف، لا يمكنُ بناءُ دولةٍ فيما كلُّ حزبٍ يُدارُ بـ«ريموت كونترول» خارجي، وكلُّ جماعةٍ تُصلّي سياسيًّا باتجاهِ عاصمةٍ غيرِ بيروت، وكلُّ أميرِ زواريبَ يرى أنّ بقاءَ فصيلِه المسلّح أهمُّ من بقاءِ الجمهورية.
لبنان لن ينهضَ ما دام فيه خائنٌ يعتبرُ طهران أو دمشق أو واشنطن أو الرياض أو باريس أهمَّ من بيروت.
ولن تقومَ دولةٌ حقيقيةٌ ما دام هناك سلاحٌ منفلتٌ خارجَ الشرعية، وتمويلٌ سياسيٌّ مشبوه، وعصبياتٌ مريضةٌ تستقوي بالخارجِ للاستعلاءِ على الشريكِ في الوطن.
إمّا لبنان أوّلًا وأخيرًا… وإمّا فليذهبْ أمراءُ المحاورِ وأدواتُ السفاراتِ إلى العواصمِ التي يعبدونها، وليتركوا اللبنانيين يبنون وطنهم بعيدًا عن قذارةِ الارتهان والوصايات.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير