
خبير متميّز في الإدارة السياسية والاستشارات
#الشرق_الأوسط الجديد يُصاغ اليوم … فأين موقع #لبنان؟
قلم د. محمد غزيّل – خاص بوابة بيروت
@mogozeil
اعتاد اللبنانيون، منذ عقود، أن يفسروا أزماتهم من خلال العامل الخارجي. ففي كل محطة مفصلية، تُطرح أسماء العواصم
الإقليمية والدولية قبل أن يُطرح اسم بيروت. وتُربط الأزمات السياسية بالتحولات الدولية، والانهيارات الاقتصادية بالعقوبات،
والتوترات الأمنية بصراعات المحاور، حتى أصبح من السهل تحميل الخارج مسؤولية كل ما يواجهه لبنان.
فمن الوضوح، أن التهديد الأكبر للبنان ليس خارجياً … بل من الداخل.
ولا شك أن لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية، يتأثر بالتحولات الإقليمية والدولية أكثر من غيره. إلا أن هذا
الواقع لا ينبغي أن يحجب حقيقة أكثر خطورة، وهي أن أكبر تهديد يواجه لبنان اليوم لم يعد خارجياً، بل أصبح نابعاً من
داخله. إن الدول لا تنهار فقط بسبب الحروب أو الضغوط الخارجية، وإنما تنهار عندما تفقد قدرتها على إدارة نفسها، وعندما
تصبح مؤسساتها أضعف من التحديات التي تواجهها.
لقد تغير العالم، بينما بقيت الدولة اللبنانية أسيرة منطق إدارة الأزمات، لا صناعة المستقبل.
من تحميل المسؤولية إلى تحملها
لطالما شكّل الخارج شماعة جاهزة لتبرير الفشل الداخلي. لكن هذا الخطاب لم يعد مقنعاً، لا للبنانيين ولا للمجتمع الدولي.
فالدول التي تعرضت لحروب أشد، وأزمات أعمق، استطاعت أن تعيد بناء نفسها لأنها امتلكت مؤسسات فاعلة ورؤية وطنية
واضحة. أما لبنان، فعلى الرغم من تعدد المبادرات الدولية، والمؤتمرات، وخطط الدعم، لا يزال يدور في الحلقة نفسها، لأن
المشكلة الأساسية لم تكن يوماً نقصاً في المبادرات، بل غياب الإرادة السياسية لبناء الدولة. لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة
البحث عن المسؤول إلى ثقافة تحمل المسؤولية.
الحوكمة الضعيفة … أصل الأزمة
ليست الأزمة اللبنانية أزمة موارد، بل أزمة إدارة.
فالدولة التي تعجز عن اتخاذ القرار في الوقت المناسب، أو تنفيذ السياسات التي تعتمدها، تتحول تدريجياً إلى دولة تدير يومها،
لا مستقبلها. إن ضعف الحوكمة انعكس في كل القطاعات؛ من الإدارة العامة، إلى الاقتصاد، إلى الخدمات الأساسية، وصولاً
إلى غياب المساءلة والمحاسبة. وليس أخطر على أي دولة من أن تصبح مؤسساتها عاجزة عن الاستجابة لتحدياتها، أو أن تفقد
ثقة مواطنيها بها.
تراجع المؤسسات … حين تصبح الدولة هي الحلقة الأضعف
تقاس قوة الدول اليوم بقدرة مؤسساتها، لا بعدد خطاباتها السياسية. لكن المؤسسات اللبنانية تعاني من استنزاف مستمر، سواء
نتيجة التدخلات السياسية، أو غياب الإصلاح الإداري، أو ضعف التخطيط، أو هجرة الكفاءات.
فالمؤسسات التي لا تتطور، ولا تُمنح الاستقلالية، ولا تعتمد الكفاءة معياراً، تصبح عاجزة عن قيادة التنمية أو حماية
الاستقرار. ولعل أخطر ما يواجه لبنان اليوم هو أن مؤسساته لم تعد قادرة على إنتاج الحلول، بل أصبحت جزءاً من الأزمة.
شلل السياسات… إدارة الأزمة بدلاً من إدارة الدولة
منذ سنوات، تعيش الدولة اللبنانية في حالة من ردود الفعل المتأخرة. لا توجد سياسات اقتصادية طويلة الأمد، ولا رؤية تنموية
واضحة، ولا استراتيجيات وطنية للتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية. فالقرارات غالباً ما تُتخذ تحت ضغط الأحداث، لا
استناداً إلى دراسات أو سيناريوهات مستقبلية.
وهذا ما جعل لبنان ينتقل من أزمة إلى أخرى، من دون أن يتعلم كيف يمنع الأزمة التالية.
خسارة التنافسية… بينما المنطقة تتغير
في الوقت الذي تستثمر فيه دول المنطقة في التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والطاقة، والخدمات
اللوجستية، ما زال لبنان يناقش كيفية إدارة أزماته اليومية. لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة عنوانها المنافسة
الاقتصادية، واستقطاب الاستثمارات، وبناء الاقتصادات القائمة على المعرفة.
أما لبنان، فيخاطر بأن يفقد تدريجياً موقعه التاريخي كمركز مالي وتعليمي وخدمي، ليس بسبب منافسة الآخرين فقط، بل
بسبب عجزه عن تطوير نفسه.
التحدي الديموغرافي… النزيف الصامت
ربما لا يوجد تهديد أكثر خطورة من استمرار هجرة الشباب والكفاءات. فالأمم تُبنى بعقولها قبل مواردها.
وعندما يغادر أصحاب الكفاءات، والباحثون، ورواد الأعمال، والأطباء، والمهندسون، فإن الدولة لا تخسر أفراداً فقط، بل
تخسر مستقبلها. إن الهجرة لم تعد ظاهرة اجتماعية مؤقتة، بل أصبحت أزمة استراتيجية تمس الأمن الوطني والاقتصاد
والتنمية.
غياب التخطيط الاستراتيجي
من أكثر ما يميز الدول الناجحة أنها لا تنتظر المستقبل، بل تخطط له.
أما في لبنان، فما زالت معظم السياسات تُدار بعقلية قصيرة الأمد، فيما تغيب الرؤية الوطنية الشاملة التي تحدد أين يجب أن
يكون لبنان بعد عشر سنوات أو عشرين سنة. فلا توجد استراتيجية وطنية متكاملة للأمن القومي، ولا للتنافسية الاقتصادية،
ولا للتحول الرقمي، ولا لإدارة المخاطر، ولا لاستقطاب الاستثمارات.
وهذا الفراغ الاستراتيجي يجعل الدولة تتحرك وفق إيقاع الأزمات، بدلاً من أن تقود هي مسارها.
المطلوب … دولة تفكر قبل أن تتفاعل
إن المرحلة المقبلة تفرض على الحكومة اللبنانية الانتقال من إدارة الملفات إلى قيادة الدولة. فإذا أراد لبنان أن يكون جزءاً من
الشرق الأوسط الجديد، فعليه أن ينتقل من موقع المتلقي إلى موقع الشريك. ويتطلب ذلك مشروعاً وطنياً جديداً يقوم على سبعة
محاور استراتيجية:
أولاً: صياغة رؤية وطنية طويلة المدى تحدد موقع لبنان في الاقتصاد الإقليمي الجديد، بعيداً عن إدارة الأزمات اليومية.
ثانياً: إطلاق دبلوماسية اقتصادية تجعل جذب الاستثمار، وبناء الشراكات، وتعزيز الصادرات، أهدافاً رئيسية للسياسة
الخارجية.
ثالثاً: إعادة تطوير المرافئ والبنية التحتية وربطها بالممرات التجارية الإقليمية، بما يعيد للبنان دوره التاريخي كمركز للتجارة والخدمات.
رابعاً: الاستثمار في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، ودعم الشركات الناشئة، وربط الجامعات بالاقتصاد القائم على
المعرفة.
خامساً: تنفيذ إصلاحات مؤسسية وإدارية تعيد بناء ثقة المستثمرين، وتعزز الحوكمة، وتوفر بيئة قانونية مستقرة للأعمال.
سادساً: إطلاق برنامج وطني لاستقطاب الكفاءات اللبنانية في الخارج، وتحويل الانتشار اللبناني إلى قوة استراتيجية تساهم في
التنمية والاستثمار ونقل المعرفة.
سابعاً: إنشاء مجلس وطني للاستشراف الاستراتيجي، يتولى دراسة التحولات الدولية، وإعداد السيناريوهات المستقبلية، وربط
عملية صنع القرار بالتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.
لقد اعتاد اللبنانيون أن يسألوا، من يتدخل في لبنان؟ لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم هو، لماذا أصبح لبنان بهذه
الهشاشة أمام أي تدخل؟
فالدول القوية لا تعيش في بيئة خالية من التهديدات، بل تمتلك مؤسسات تجعلها قادرة على احتواء تلك التهديدات وتحويلها إلى
فرص. إن أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس صراعاً إقليمياً، ولا تحولاً دولياً، ولا أزمة اقتصادية عابرة، بل استمرار تآكل
الدولة من الداخل. وإذا لم تبدأ الحكومة اللبنانية بإعادة بناء مؤسساتها، وتعزيز الحوكمة، ووضع رؤية استراتيجية واضحة
للمستقبل، فإن أي انفراج إقليمي أو دعم دولي لن يكون سوى هدنة مؤقتة في مسار أزمة مستمرة.
لقد آن الأوان لأن ينتقل الخطاب السياسي اللبناني من سؤال “ماذا يفعل الآخرون بلبنان؟” إلى سؤال أكثر شجاعة ومسؤولية،
“ماذا فعلنا نحن بلبنان … وماذا سنفعل لإنقاذه؟”
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير