حين تتكلم البيئة… ويسقط احتكار الصوت الشيعي
بقلم بلال مهدي
نعم يا جناب وفيق صفا، البيئة طلّعت صوتها، لكن المشكلة أنكم اعتدتم طويلًا أن تسمعوا فقط الصدى الذي يصدر من داخل منظومتكم، وأن تعتبروا كل صوت مختلف نشازًا، وكل سؤال اعتراضًا، وكل اعتراض خروجًا على الجماعة.
حين تقول إنّ «البيئة ما طلّعت صوتها لأنهم ما تركوها»، فأنت لا تدافع عن البيئة بقدر ما تكشف، من حيث لا تريد، جوهر المأزق الذي تعيشه. من أعطى أي جهة حق تحديد متى تتكلم البيئة، وماذا تقول، ومن يحق له أن يعترض باسمها؟ ومن منح أي تنظيم سياسي أو أمني حق تحويل طائفة بأكملها إلى مساحة نفوذ مغلقة، تُفتح أبوابها للتصفيق وتُغلق أمام السؤال؟
الطائفة ليست ملكية خاصة، والناس ليست جمهورًا مستأجرًا، والقرار الشيعي ليس إرثًا ينتقل من جيل سياسي إلى آخر. المجتمع الذي دفع أثمانًا هائلة خلال عقود من الحروب والنزوح والدمار، يملك حقًا أصيلًا في أن يسأل عن حصيلة كل تلك السنوات، وعن معنى الخيارات التي اتُّخذت باسمه، وعن جدوى أن يبقى الجنوب والضاحية والبقاع أسرى دورة لا تنتهي من الحرب والدمار وإعادة الإعمار ثم الحرب من جديد.
السؤال الذي يبدو أن البعض يخشاه اليوم ليس: من يعارض “حزب الله”؟ بل: ماذا يريد أبناء البيئة الشيعية لأنفسهم ولأبنائهم؟
هل يريدون دولة تحميهم، أم تنظيمًا يتحدث باسمهم؟
هل يريدون أن يكون قرار الحرب والسلم قرارًا وطنيًا، أم قرارًا يُتخذ خارج مؤسسات الدولة ثم يُطلب من اللبنانيين دفع ثمنه؟
هل يريد الجنوبي أن يبقى ابن جبهة مفتوحة، أم يريد أن يزرع أرضه ويبني منزله ويذهب أولاده إلى مدارسهم وجامعاتهم من دون أن يعرف متى تبدأ الحرب المقبلة؟
هذه الأسئلة ليست خيانة، ولا خروجًا على الطائفة، ولا خدمة لخصم سياسي. هذه أبسط حقوق المواطن في أن يعرف إلى أين يُقاد، ومن يقرر عنه، ومن يدفع الثمن حين تفشل الخيارات.
لقد اعتاد الخطاب السياسي المغلق أن يختصر البيئة في صورة واحدة، وأن يتحدث عنها بضمير الجمع وكأن ملايين البشر يتحدثون بصوت واحد. لكن المجتمعات الحقيقية ليست كتلة صماء. داخل كل بيئة سياسية ودينية واجتماعية اختلافات وآراء ومصالح وتجارب وذاكرة وأسئلة. ومحاولة إلغاء هذا التنوع لا تصنع وحدة، بل تصنع صمتًا مؤقتًا.
والصمت ليس موافقة.
قد يكون الصمت خوفًا، وقد يكون تعبًا، وقد يكون انتظارًا للحظة التي يصبح فيها الكلام أقل كلفة من الاستمرار في الصمت.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حركة سياسية ليس خصمها في الخارج، بل الأسئلة التي تبدأ بالنمو داخل بيئتها نفسها. عندما يبدأ المواطن بسؤال قيادته عن نتائج الخيارات، وحين يبدأ الجنوبي بمقارنة ما وُعد به بما حصل عليه، وحين يبدأ النازح بالنظر إلى الركام ويسأل عن معنى كل تلك الشعارات، يصبح الخطاب القديم أقل قدرة على احتواء الواقع.
لا يمكن بناء الشرعية على الخوف إلى الأبد.
ولا يمكن حماية التمثيل بمنع الممثل عن الكلام.
ولا يمكن الادعاء بامتلاك ثقة الناس ثم التعامل مع أسئلتهم باعتبارها مؤامرة.
البيئة الشيعية، كما كل البيئات اللبنانية، ليست بحاجة إلى من يتحدث باسمها بقدر حاجتها إلى من يسمعها. وهي لا تحتاج إلى وصاية سياسية جديدة، بل إلى حقها الكامل في الاختيار والمحاسبة والمشاركة، وإلى دولة لا تجعل المواطن مضطرًا إلى اختيار الجهة التي تحميه بدل الدولة التي يفترض أن تحميه.
لقد آن الأوان لأن يتغير السؤال من: «من يمثل البيئة؟» إلى: «ماذا تريد البيئة؟»
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين مجتمع يُقاد، ومجتمع يقرر.
الصوت موجود، وسيزداد وضوحًا كلما انكسر حاجز الخوف.
ومن يثق فعلًا بالناس لا يخشى أصواتهم، ومن يملك شرعية حقيقية لا يحتاج إلى إغلاق الأبواب أمام النقد، ومن يعتقد أن مشروعه مقنع لا يخاف من أن يُطرح على الناس في ساحة مفتوحة.
البيئة ليست ملكًا لأحد.
والطائفة ليست دفترًا مغلقًا.
والقرار ليس إرثًا سياسيًا.
والتمثيل لا يُقاس بارتفاع المنابر، ولا بحجم الشعارات، ولا بعدد الصور والرايات، بل بقدرة أصحاب السلطة على الوقوف أمام الناس حين يسألونهم سؤالًا بسيطًا وقاسيًا:
ماذا فعلتم بالقرار الذي منحناكم إياه، وإلى أين أخذتمونا؟
عندما يصبح هذا السؤال ممكنًا، تبدأ السياسة الحقيقية.
وعندما يصبح السؤال ممنوعًا، يكون أول شيء يحتاج إلى الإنقاذ هو صوت الناس نفسه.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
