السلام آتٍ لا محال… لأن الحقيقة انجلت و لبنان أكبر من الجميع

خاص بوابة بيروت

في بركة عيد سيدتنا العذراء، لم يكن اللقاء مجرد مناسبة جمعت أكثر من مئة لبناني، بل كان مساحة حوار وطني سمحت لنا بأن نستمع إلى القضية نفسها من زوايا مختلفة، وأن نكتشف أن تعدد المقاربات لا يمنع الوصول إلى نقطة مشتركة: لا خلاص للبنان إلا بدولة واحدة، ودستور واحد، وجيش واحد، ومواطنة لا تعلو عليها طائفة أو عقيدة أو حزب.

جوزيف الهاشم: لبنان بين حقبات النفوذ الطائفي

استهل الوزير السابق جوزيف الهاشم مداخلته بقراءة تاريخية للمشهد السياسي اللبناني، عائداً إلى المراحل التي انتقل فيها مركز القوة والنفوذ من طائفة إلى أخرى، وكيف بقي النظام اللبناني، في مراحل عديدة، أسير معادلات طائفية أكثر منه دولة مواطنة مكتملة.

ومن هذه القراءة وصل إلى واقعنا الحالي، حيث أصبحت قضية سلاح حزب الله في صلب الأزمة الوطنية، ولا سيما عندما يصبح قرار السلاح والحرب والسلم خارج المرجعية الحصرية للدولة.

وهنا يطرح التاريخ علينا سؤالاً أساسياً: هل المطلوب أن نستبدل هيمنة طائفية بهيمنة طائفية أخرى، أم آن الأوان للخروج من هذه الحلقة بالكامل؟

فالمشكلة ليست في أن تكون هذه الطائفة أو تلك قوية، بل في أن تصبح أي قوة سياسية أو عسكرية أكبر من مؤسسات الدولة أو قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية خارجها.

الدولة لا تُبنى بتوازن الخوف بين الطوائف، بل بتوازن الحقوق والواجبات بين المواطنين.

شمس الدين: لا تختصروا الشيعة بحزب

وجاءت مداخلة الوزير السابق إبراهيم شمس الدين لتفتح باباً بالغ الأهمية، من خلال الفصل بين الطائفة الشيعية اللبنانية وبين حزب الله كتنظيم سياسي وعقائدي.

وهذه نقطة يجب التوقف عندها طويلاً.

فالشيعة في لبنان مكوّن أصيل من مكونات هذا الوطن، بتاريخهم وثقافتهم وعائلاتهم ومفكريهم وعلمائهم وتنوع آرائهم السياسية. ولا يجوز اختزالهم بحزب، كما لا يجوز اختزال أي طائفة لبنانية بتنظيم سياسي واحد.

وتناول النقاش كذلك مفهوم ولاية الفقيه، والفرق بين الانتماء إلى المذهب الشيعي وبين تبني نظرية سياسية ـ دينية محددة في الحكم والمرجعية.

ومن هنا برزت فكرة أساسية: الاعتراض على مشروع سياسي أو عقائدي عابر للحدود ليس اعتراضاً على الطائفة الشيعية ولا على المذهب الشيعي.

بل على العكس، تحرير المواطن الشيعي من معادلة «الطائفة تساوي الحزب» هو جزء أساسي من تحرير لبنان كله من النظام الطائفي.

وعندما نقول إن قرار اللبناني يجب أن يكون لبنانياً، فهذا المبدأ يجب أن ينطبق على الجميع، مسيحيين ومسلمين ودروزاً، سنة وشيعة، وعلى كل حزب وكل قيادة وكل مؤسسة.

لبنان لا يحتاج إلى ولاءات خارج حدوده؛ يحتاج إلى مواطنين يختلفون في معتقداتهم ويلتقون في ولائهم للدولة.

أندره أبو معشر: المواطنة والدستور هما الطريق

ثم جاءت مداخلة العميد الركن الطيار أندره أبو معشر لتعيد النقاش إلى أساس الدولة: المواطنة، الدستور، ودور المؤسسات الشرعية وعلى رأسها الجيش اللبناني.

فدعم رئيس الجمهورية لا يكون بالشعارات وحدها، بل بدعم مسار إعادة الاعتبار للدستور وتطبيقه على الجميع من دون استثناء أو انتقائية.

لا طائفة فوق الدستور.

لا حزب فوق الدستور.

ولا مواطن أقوى من مواطن آخر بسبب انتمائه أو سلاحه أو موقعه السياسي.

وهنا كانت، بالنسبة لي، أجمل خلاصة للقاء:

أن يكون العدل هو المعيار الجامع، والمواطنة هي الهوية السياسية التي تحمي اختلافاتنا.

جيش لبناني واحد… وسلاح تحت سلطة الدولة

أما مسألة السلاح، فلا يمكن معالجتها بمنطق الانتقام أو كسر طائفة أو إذلال جمهور.

ولا نريد أن ننتقل من «سلاح شيعي» إلى «سلاح سني» أو «سلاح مسيحي» أو «سلاح درزي». فالسلاح عندما يحمل هوية طائفية يصبح جزءاً من المشكلة، مهما كان حامله.

ما نحتاجه هو جيش لبناني واحد ومؤسسات أمنية شرعية واحدة، يكون قرار الدفاع عن الأرض والشعب والسيادة من مسؤوليتها وحدها.

ومن هنا يصبح السؤال حول مستقبل سلاح حزب الله سؤال دولة، وليس سؤال طائفة.

كيف نصل سلمياً إلى حصرية السلاح بيد الدولة؟

كيف نحمي اللبنانيين جميعاً خلال هذه العملية؟

وكيف نعيد دمج المجتمع حول مؤسسة عسكرية وطنية لا تميز بين لبناني وآخر؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق أن نضع طاقاتنا فيها.

ثلاث مقاربات… وفكرة وطنية واحدة.

وهذا ما جعل اللقاء مميزاً بالنسبة لي.

استمعنا إلى التاريخ من زاوية، وإلى العقيدة والسياسة من زاوية ثانية، وإلى الدستور والمواطنة والجيش من زاوية ثالثة.

اختلفت اللغة، واختلفت الخلفيات، لكن الفكرة التي كانت تعود في كل مرة هي:

لبنان لكل أبنائه، ولا أحد أكبر من بلده.

ولا يجوز أن نحمل الطائفة الشيعية مسؤولية خيارات حزب أو تنظيم، كما لا يجوز أن تتحول أي طائفة إلى غطاء لأي مشروع يتجاوز الدولة.

المطلوب اليوم ليس انتصار فريق على فريق.

المطلوب انتصار الدولة على منطق اللادولة، والمواطنة على الطائفية، والسلام على الحرب، والعدالة على الخوف.

ولذلك أقول: السلام آتٍ لا محال…

ليس لأن خلافاتنا انتهت، بل لأن عدداً متزايداً من اللبنانيين بدأ يدرك أن الوطن لا يمكن أن يستمر إذا بقي لكل جماعة مشروعها ومرجعيتها وسلاحها.

لبنان ليس لطائفة.

وليس لحزب.

وليس لزعيم.

لبنان لنا جميعاً.

وكما اختصرها الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العبارة التي بقيت في وجدان اللبنانيين: «ما حدا أكبر من بلده».

وفي الختام، كل الشكر والتقدير للأستاذ مازن أبو الحسن وعائلته على الدعوة وعلى فتح هذه المساحة للحوار. قيمة مثل هذه اللقاءات ليست بأن نخرج منها جميعاً بالرأي نفسه، بل بأن نستطيع أن نجلس حول وطن واحد، نستمع، نناقش، ونبحث عن الطريق الذي يعيد للدولة هيبتها وللمواطن كرامته.

فالسلام ليس ضعفاً، والمواطنة ليست شعاراً، والدولة ليست وجهة نظر.
إنها الطريق الوحيد ليبقى لبنان.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك