افتحوا الخزائن… التحقيقات الدولية ووثائق بنما والقضاء الفيدرالي

"ج3" من رويترز إلى وثائق بنما و القضاء الفيدرالي.. ثروة أبناء محمود عباس تحت المجهر الدولي

خاص بوابة بيروت

لم تبقَ الأسئلة المتعلقة بثروة ياسر وطارق عباس محصورة في محاضر الكونغرس الأميركي. فمنذ عام 2009، بدأت سلسلة من التحقيقات الصحفية الدولية، ثم الدراسات الأكاديمية والوثائق المالية المسربة، وصولًا إلى القضاء الفيدرالي الأميركي، في تفكيك جانب من شبكة الأعمال والمصالح الاقتصادية لنجلي محمود عباس، وطرح السؤال الأكثر حساسية: أين ينتهي النجاح التجاري الطبيعي، وأين يبدأ أثر النفوذ السياسي للعائلة الحاكمة؟

رويترز 2009.. العقود الأميركية تدخل شركات أبناء الرئيس

في 22 أبريل/نيسان 2009، نشر الصحفي آدم إنتوس Adam Entous تحقيقًا خاصًا لوكالة Reuters بعنوان: “Firms run by President Abbas’s sons get U.S. contracts” أي: “شركات يديرها ابنا الرئيس عباس تحصل على عقود أميركية”.

ولم يعتمد التحقيق على اتهام فلسطيني سياسي مجرد، بل تتبع شركات مرتبطة بياسر وطارق عباس وعقودًا ممولة من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID.

وقد أصبح تحقيق رويترز لاحقًا مرجعًا استندت إليه تحقيقات ودراسات أخرى تناولت العلاقة بين أعمال أبناء الرئيس وأموال المساعدات الأميركية.

ومن بين الوقائع التي وثقتها رويترز، وعادت مصادر لاحقة إلى تسجيلها، حصول شركة مرتبطة بـ ياسر عباس على 1.89 مليون دولار من USAID عام 2005 لمشروع للصرف الصحي في الخليل، فيما حصلت شركة أخرى يديرها على ما يقارب 300 ألف دولار من أموال USAID بين عامي 2005 و 2008.

أما شركة Sky Advertising المرتبطة بطارق عباس، فكانت بدورها من الشركات التي تعاملت مع أموال ومشروعات الوكالة الأميركية.

لكن تحقيق رويترز سجّل أيضًا رد الجهة المانحة: USAID قالت إن الروابط العائلية لم تكن عاملًا في منح العقود. وهذه نقطة يجب إبقاؤها في تقريرنا هذا؛ لأن التحقيق لا يثبت أن العقود نفسها كانت فاسدة، وإنما يثبت وجودها ويضع أمام الرأي العام سؤال تضارب المصالح واحتمال استفادة أبناء رئيس السلطة اقتصاديًا في بيئة يتحكم والدهم بجانب كبير من نظامها السياسي.

Foreign Policy 2012.. هل يزداد أبناء الرئيس ثراءً من نظام والدهم؟

بعد ثلاث سنوات، وفي 5 يونيو/حزيران 2012، انتقل الملف إلى مستوى أكثر صراحة عندما نشرت مجلة Foreign Policy تحقيقًا للباحث جوناثان شانزر Jonathan Schanzer حمل عنوانًا لم يحتج إلى كثير من التأويل: “The Brothers Abbas” – الأخوان عباس وتحته السؤال: “Are the sons of the Palestinian president growing rich off their father’s system?”
أي: هل يزداد ابنا الرئيس الفلسطيني ثراءً من نظام والدهما؟

تناول التحقيق بالتفصيل ما وصفه بـ”الثروة اللافتة” لياسر وطارق عباس، وأعاد بناء جزء من شبكة أعمالهما. وبالنسبة إلى ياسر، تناول Falcon Tobacco ومجموعة Falcon ومصالح أخرى في التأمين والمقاولات، وأعاد تسجيل عقود USAID، كما نقل عن سيرة تجارية لياسر أن شركات Falcon كانت تحقق إيرادات إجمالية بنحو 35 مليون دولار سنويًا في ذلك الوقت.

أما طارق، فتناول التحقيق شركته Sky Advertising، وقال إنها كانت تضم نحو 40 موظفًا وحققت مبيعات بنحو 7.5 ملايين دولار عام 2010، إضافة إلى علاقاته بشركات ضمن مجموعة APIC.

لكن القيمة الأساسية لتحقيق Foreign Policy لم تكن في الأرقام وحدها، وإنما في السؤال الذي وضعه حول العلاقة المحتملة بين النسب السياسي والنجاح الاقتصادي. فالتحقيق أقر صراحة بأن من حق ياسر عباس ممارسة الأعمال التجارية، لكنه سأل ما إذا كان كونه ابن الرئيس يمثل أهم أوراق قوته الاقتصادية، خصوصًا مع مشاركته أحيانًا في أدوار رسمية مرتبطة بالسلطة.

ياسر عباس يذهب إلى القضاء.. والقضية تصل إلى محكمة الاستئناف

لم يمر تحقيق Foreign Policy بلا مواجهة. رفع ياسر عباس دعوى تشهير أمام المحكمة الفيدرالية في واشنطن ضد Foreign Policy Group وجوناثان شانزر، معتبرًا أن المقال ألحق الضرر بسمعته.

وحملت القضية أمام المحكمة الابتدائية الرقم: Yasser Abbas v. Foreign Policy Group, LLC et al. — Civil Action No. 12-1565 (EGS).

وفي 27 سبتمبر/أيلول 2013، أصدرت المحكمة الجزئية الأميركية لمقاطعة كولومبيا مذكرة رأي في القضية.

لكن النزاع لم ينتهِ هناك، وانتقل إلى محكمة الاستئناف الأميركية لدائرة مقاطعة كولومبيا D.C. Circuit، تحت رقم الاستئناف: No. 13-7171 وحملت القضية رسميًا اسم: Yasser Abbas v. Foreign Policy Group, LLC and Jonathan Schanzer.

نُظرت المرافعة في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2014، وصدر الحكم في 24 أبريل/نيسان 2015 عن هيئة ضمت القضاة بريت كافانو، سري سرينيفاسان، وهاري إدواردز، وكتب كافانو رأي المحكمة.

والمهم بالنسبة إلى تحقيقنا أن الحكم القضائي نفسه أعاد تسجيل موضوع المقال بالتفصيل: قال إن Foreign Policy نشرت مقالًا عن ياسر وشقيقه طارق تناول ثروتهما ومصادرها المحتملة، وإن المقال تحدث عن «الثروة اللافتة» للشقيقين وفصّل أنشطتهما التجارية، وطرح السؤال عما إذا كان ابنا الرئيس يزدادان ثراءً من نظام والدهما.

وانتهت محكمة الاستئناف إلى تأييد النتيجة النهائية برفض دعوى ياسر عباس، وإن كانت قد اختلفت مع المحكمة الأدنى بشأن تطبيق قانون D.C. لمكافحة دعاوى إسكات المشاركة العامة، واعتمدت أساسًا قانونيًا بديلًا لرفض دعوى التشهير.

وثائق بنما وLe Monde.. طارق عباس يظهر في شبكة الشركات الخارجية

وفي 15 أبريل/نيسان 2016، انتقل الملف من العقود الأميركية والأسئلة الصحفية إلى عالم الوثائق المالية المسربة. نشرت صحيفة Le Monde الفرنسية، استنادًا إلى Panama Papers التي حللها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين ICIJ بالتعاون مع Haaretz، تحقيقًا بعنوان: «Panama Papers: la fortune offshore de l’Autorité palestinienne»

أي: وثائق بنما: الثروة الخارجية للسلطة الفلسطينية. وهنا ظهر طارق عباس بالاسم.

كشفت وثائق مكتب Mossack Fonseca أن شركة Arab Palestinian Investment Company – APIC سُجلت في جزر العذراء البريطانية British Virgin Islands في سبتمبر/أيلول 1994، ثم تحولت خلال السنوات التالية إلى واحدة من أكبر المجموعات الاقتصادية الفلسطينية، تعمل في قطاعات تمتد من المواد الغذائية والمعدات الطبية إلى الاتصالات والسيارات والمراكز التجارية.

والأهم أن التحقيق كشف أن طارق عباس كان يمتلك في يونيو/حزيران 2013 أسهمًا في APIC بقيمة 982 ألف دولار. وكان قد انضم إلى مجلس إدارة الشركة عام 2011.

لكن القضية لم تتوقف عند امتلاك ابن الرئيس أسهمًا في شركة مسجلة خارج الأراضي الفلسطينية، وهو أمر لا يشكل بحد ذاته مخالفة قانونية. الأكثر حساسية كان تشابك المصالح بين الشركة ومؤسسات السلطة الفلسطينية. فبحسب تحقيق Le Monde، كان صندوق الاستثمار الفلسطيني PIF يمتلك 18% من رأسمال APIC.

واستشهد التحقيق ببرقية دبلوماسية أميركية من فبراير/شباط 2006 تقول إن قرارًا رئاسيًا وضع صندوق الاستثمار بصورة أكثر مباشرة تحت سيطرة مكتب محمود عباس، من خلال مجلس إدارة اختاره الرئيس، مع استثناء المقاعد الوزارية.

وهنا ظهرت المعادلة التي تجعل وثائق بنما مهمة جدًا لتحقيقنا: ابن الرئيس يمتلك قرابة مليون دولار من أسهم APIC، وفي الوقت نفسه يمتلك صندوق الاستثمار الفلسطيني العام 18% من الشركة نفسها، بينما يرتبط الصندوق بنيويًا بقرارات السلطة والرئاسة.

والأكثر إثارة أن صحيفة Le Monde كشفت أن Mossack Fonseca، الذي كان يتعين عليه التحقق من الأشخاص ذوي الصفة السياسية البارزة وأفراد عائلاتهم (PEPs) ضمن إجراءات الامتثال الهادفة إلى مكافحة غسل الأموال والفساد والتهرب الضريبي، لم يربط طارق عباس بوالده، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، رغم أن المكتب نفسه كان قد تعرّف على الصفة السياسية لأعضاء آخرين في مجلس إدارة APIC.

كما تناول التحقيق شركة Wataniya Mobile وعلاقة صندوق الاستثمار الفلسطيني بها، واستشهد ببرقية دبلوماسية أميركية من أبريل/نيسان 2009 حذرت من أن التفاعل بين شركة الاتصالات والسلطة والحكومة الإسرائيلية يضاعف “مخاطر التواطؤ والازدواجية”.

ومن الضروري أيضًا تسجيل رد عائلة عباس: محامي الشقيقين كريم شحادة رفض الإيحاء بأن اختيار شركة Sky كان نتيجة صلاتها بعائلة عباس، ووصف ذلك بأنه غير أخلاقي ولا أساس له، كما أكد أن APIC شركة مدرجة في البورصة وتخضع للتدقيق والرقابة التنظيمية.

جنيف 2025.. “المحسوبية والاحتكارات وشبكات الرعاية”

ولم ينتهِ الملف عند وثائق بنما، بل انتقل لاحقًا إلى البحث الأكاديمي المتخصص في بنية الاقتصاد السياسي الفلسطيني وعلاقة السلطة برأس المال وشبكات النفوذ.

ففي 21 مايو/أيار 2025، نشرت Graduate Institute Publications التابعة للمعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف، ضمن كتاب De/Colonising Palestine، دراسة أكاديمية للباحثين طارق دانا ورامي سلامة بعنوان:
“Profit over Palestine: Cronyism, Monopolies, and Patronage”

أي: الربح فوق فلسطين: المحسوبية والاحتكارات وشبكات الرعاية.

ويحمل الفصل المعرّف الرقمي الدائم DOI: 10.4000/13zm4، فيما يحمل الكتاب الرقم الدولي الرقمي ISBN 978-2-940600-51-9.

وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة لأنها لا تتعامل مع ياسر وطارق عباس باعتبارهما مجرد موضوع لتحقيق صحفي منفصل، وإنما تضع قضيتهما ضمن تحليل أكاديمي أوسع لما تصفه الدراسة بمنظومة المحسوبية وشبكات الرعاية وتداخل النخب السياسية والاقتصادية مع المصالح التجارية الخاصة.

وتوضح الدراسة منذ مقدمتها أنها تبحث العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومجموعة محدودة من الشركات الخاصة، وتأثير أصحاب رؤوس الأموال في صناعة القرار، وانخراط أفراد من النخبة السياسية وأقاربهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مشروعات خاصة.

واللافت أن الدراسة ستعود لاحقًا لتسمّي ياسر وطارق عباس تحديدًا بوصفهما المثال الأبرز لأقارب مسؤولي السلطة المنخرطين في الأعمال الكبرى، وتقول إن أعمالهما وثروتهما أصبحتا في قلب نقاش عام وإعلامي حول الصلة المحتملة بين نجاحهما التجاري والقوة السياسية لوالدهما محمود عباس.

من 2009 إلى 2025.. ليست رواية مصدر واحد

وهنا تصبح الصورة أكثر اتساعًا من محاضر الكونغرس وحدها. رويترز في 2009 وثقت العقود الأميركية لشركات أبناء عباس وفتحت سؤال تضارب المصالح. Foreign Policy في 2012 وضعت ثروة ياسر وطارق تحت السؤال المباشر: هل يزدادان ثراءً من نظام والدهما؟ القضاء الفيدرالي الأميركي بين 2013 و2015 سجل النزاع رسميًا وانتهت دعوى التشهير التي أقامها ياسر إلى الرفض النهائي، دون أن يعني ذلك حكمًا قضائيًا بصحة اتهامات الفساد.

وفي عام 2016، كشفت صحيفة Le Monde، استنادًا إلى وثائق بنما، أن طارق عباس كان يمتلك أسهمًا في شركة APIC بقيمة تقارب 982 ألف دولار، وهي شركة مسجلة في جزر العذراء البريطانية ويتداخل في ملكيتها رأس المال الخاص مع استثمار لصندوق الاستثمار الفلسطيني العام.

ثم جاءت دراسة Graduate Institute في جنيف عام 2025 لتضع قضية أبناء الرئيس ضمن تحليل أوسع للمحسوبية والاحتكارات وشبكات الرعاية في الاقتصاد السياسي الفلسطيني.

لذلك لم يعد السؤال قائمًا على تقرير منفرد، ولا على شهادة خصم سياسي، ولا على رواية ضابط سابق. إننا أمام سلسلة تمتد لأكثر من خمسة عشر عامًا من التحقيقات الصحفية الدولية، والوثائق المالية المسربة، والسجل القضائي، والبحث الأكاديمي، وجميعها تعود، بدرجات مختلفة، إلى السؤال نفسه الذي لم يحصل الفلسطينيون حتى اليوم على إجابة شفافة وشاملة عنه: كيف تكوّنت ثروة أبناء الرئيس؟ وأين تنتهي التجارة الخاصة وتبدأ قوة الاسم والنفوذ السياسي؟

لبنان.. ياسر عباس لم يعد مجرد زائر

ما يحدث في لبنان يكشف حجم التحول. في 30 يونيو/حزيران 2026 أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية رسميًا أن وزير الخارجية يوسف رجي استقبل ياسر عباس، ولم تقدمه بوصفه رجل أعمال أو مجرد عضو في فتح، وإنما: “الممثل الخاص للرئيس الفلسطيني محمود عباس ومفوض العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية لحركة فتح”. وبحث الطرفان العلاقات اللبنانية–الفلسطينية والقضايا السياسية والإقليمية.

وفي 31 يوليو/تموز استقبل رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون وفدًا فلسطينيًا كان ياسر عباس في مقدم أعضائه بصفته عضو اللجنة المركزية ومفوض العلاقات الخارجية. إذن نحن أمام نفوذ سياسي فعلي.

وهنا يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يسأله الفلسطيني قبل اللبناني: من أين استمد ياسر عباس هذا الحجم من النفوذ بهذه السرعة؟ وكيف انتقل رجل الأعمال الذي لم تكن له حتى وقت قريب خبرة رسمية معلنة في مؤسسات السلطة أو فتح إلى موقع يفاوض ويلتقي كبار المسؤولين اللبنانيين ويتولى واحدًا من أكثر الملفات الفلسطينية حساسية خارج الأراضي الفلسطينية؟

والأخطر أن لبنان ليس ملفًا سياسيًا فقط. لبنان يعني المخيمات، والسلاح، والعلاقات مع الدولة اللبنانية، والتنظيم الفتحاوي، كما يعني أيضًا أملاك منظمة التحرير الفلسطينية وعقاراتها وأموالها. وهنا يلتقي السياسي بالمالي.

يتبع…

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك