خاص بوابة بيروت
فخامة رئيس الجمهورية،
دولة رئيس مجلس النواب،
دولة رئيس مجلس الوزراء،
أتوجه إليكم بهذه الرسالة المباشرة من موقع المواطن الموجوع، الذي سُدّت في وجهه أبواب المسؤولين، وصمت آذانهم عن سماع وجعه، فلم يجد في النهاية سوى مخاطبتكم مباشرة، ومن موقع من يرى يوميًا كيف يزداد وجع اللبناني، وكيف يُطلب منه المزيد من الصبر والتضحيات، فيما لا تزال الدولة عاجزة عن معالجة الكثير من مكامن الهدر والامتيازات داخل مؤسساتها.
لقد أصبح المواطن أمام معادلة يصعب عليه فهمها: يُطلب منه التقشف، وتُفرض عليه الضرائب والرسوم، وتتآكل مداخيله، فيما تستمر رواتب ومخصصات وامتيازات داخل الدولة لا يرى دائمًا أنها مرتبطة بالإنتاجية أو بحجم المسؤولية والنتائج.
وهنا لم يعد السؤال مجرد اعتراض على راتب أو تعويض، بل أصبح سؤالًا عن العدالة والثقة بالدولة.
كيف نطلب من المواطن إنقاذ الدولة؟
يا أصحاب الفخامة والدولة،
كيف يمكن أن نطلب من المواطن أن يتحمل أعباء الإنقاذ، فيما لا يرى الدولة تبدأ بإصلاح نفسها؟
كيف نقنع الموظف والعسكري والمتقاعد الذي تآكل راتبه أن عليه المزيد من الصبر، بينما تستمر في المقابل امتيازات لا تبدو خاضعة للمعايير نفسها؟
لا أحد يعترض على أن يتقاضى الموظف أو المسؤول أجرًا عادلًا يتناسب مع اختصاصه ومسؤوليته.
ولا أحد يرفض وجود الهيئات المتخصصة أو الخبراء الذين تحتاج إليهم الدولة.
لكن الاعتراض يبدأ عندما يصبح الامتياز حقًا دائمًا، والراتب منفصلًا عن الإنتاج، والمخصصات بعيدة عن المحاسبة.
الدولة الحديثة لا تُدار بهذه الطريقة.
المال العام ليس مال السلطة
إن المال العام هو مال اللبنانيين.
هو مال الموظف الذي يدفع الضرائب، والعامل الذي يكافح لتأمين لقمة عيشه، والمغترب الذي يحوّل أمواله إلى عائلته، والمتقاعد الذي خدم الدولة لعشرات السنين.
ولهذا فإن كل راتب أو بدل أو مخصص من المال العام يجب أن يقابله عمل ومسؤولية ونتيجة ومساءلة.
أما أن تبقى بعض الهياكل والهيئات واللجان قائمة، فيما تتعطل أدوارها أو تتراجع إنتاجيتها، فهذا أمر يحتاج إلى مراجعة جدية وشجاعة.
ليس المطلوب إلغاء الهيئات أو ظلم العاملين فيها.
المطلوب ببساطة أن نسأل:
ماذا تنتج؟
ماذا تقدم؟
وما هي كلفتها على الدولة؟
الإصلاح لا يبدأ من المواطن
إذا كانت الدولة تريد إصلاحًا حقيقيًا، فلتبدأ من داخلها.
فلنُراجع المخصصات الاستثنائية.
ولنربط التعويضات والمكافآت بالإنتاجية.
ولنضع معايير واضحة للرواتب والمنافع في القطاع العام.
ولنضع سقفًا عادلًا للرواتب والمخصصات يخضع له الجميع دون استثناءات.
ولنفعّل الهيئات الناظمة للقطاعات الحيوية، لأن وجود هيئة بلا صلاحيات حقيقية، أو قطاع بلا تنظيم ومراقبة، يعني استمرار المواطن في دفع ثمن الفشل.
هذه ليست دعوة إلى الانتقام من أحد، بل دعوة إلى العدالة.
مهلاً بهذا المواطن!
لقد دفع اللبناني ثمن الانهيار من مدخراته، ومن راتبه، ومن قدرته الشرائية، ومن مستقبل أبنائه.
تحمل الضرائب والرسوم، وارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات، وكلفة الكهرباء والمياه والاتصالات، ولم يعد لديه الكثير ليقدمه.
ومع ذلك، كلما احتاجت الدولة إلى المال، اتجهت الأنظار إلى المواطن.
فمتى تتجه الأنظار إلى مكامن الهدر؟
متى يصبح أصحاب الامتيازات جزءًا من خطة الإنقاذ؟
ومتى يشعر المواطن أن الدولة لا تطلب منه التضحية وحده، بل تشاركه فيها؟
إلى الرؤساء الثلاثة…
فخامة الرئيس،
دولة الرئيسين،
إن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ليس مسؤولية اقتصادية فحسب، بل هو مسؤولية وطنية وتاريخية.
ولا يمكن بناء الثقة بين المواطن والدولة بالخطابات وحدها.
الثقة تُبنى عندما يرى المواطن أن العدالة تطبق على الجميع.
وعندما يرى أن من يملك القرار يتحمل جزءًا من المسؤولية.
وعندما يشعر أن الدولة لا تنظر إليه فقط باعتباره مصدرًا للضرائب والرسوم.
قبل أن نطرق أبواب الأشقاء والأصدقاء والدول المانحة، وقبل أن نطلب المزيد من الدعم، علينا أن نثبت أولًا أننا بدأنا بإصلاح بيتنا من الداخل.
فالدولة التي تطلب من شعبها التضحية، يجب أن تكون أول من يضحي.
والدولة التي تريد استعادة ثقة مواطنيها، يجب أن تبدأ بإعادة الاعتبار إلى مفهوم العدالة.
كلمة أخيرة
فخامة رئيس الجمهورية،
دولة رئيس مجلس النواب،
دولة رئيس مجلس الوزراء،
لا نريد وعودًا جديدة.
ولا نريد لجنة جديدة تضاف إلى عشرات اللجان.
نريد قرارًا واضحًا وشجاعًا:
لا امتياز بلا مبرر،
لا مخصص بلا خدمة،
لا راتب استثنائي بلا إنتاجية،
ولا مال عام بلا رقابة ومساءلة.
لقد صبر هذا الشعب كثيرًا.
فلا تدفعوه إلى الاعتقاد بأن الدولة لا تتذكره إلا عندما تحتاج إلى جيبه.
مهلًا بهذا الشعب…
فقد حان الوقت لكي تبدأ الدولة بإصلاح نفسها قبل أن تطلب من المواطن المزيد.
وما خفي أعظم…
أما التفاصيل والأرقام التي تكشف حجم الفارق بين ما يُطلب من المواطن وما يُمنح لبعض أصحاب الامتيازات، فسنضعها أمام الرأي العام في مقالنا المقبل، بالأرقام والوقائع، بعيدًا عن المزايدات أو التجاذبات السياسية.
فما نطرحه اليوم ليس اتهامًا لأحد، بل سؤال دولة: هل نحن جادون فعلًا في بناء دولة عادلة، أم أن الاستثناءات والامتيازات أصبحت أقوى من قواعد العدالة؟
لأن الأرقام لا تجامل، ولأن المال العام هو مال الناس، سنترك الأرقام تتحدث في المقال المقبل.
القرار في أيديكم… والناس تنتظر الأفعال لا الوعود.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
