العراق وسورية ولبنان : من ذاكرة الدم إلى شراكة المصالح وممرات الطاقة “1”

زيارة بغداد إلى دمشق تفتح نافذة استراتيجية لإعادة رسم خريطة الاقتصاد الإقليمي... فهل يكون لبنان شريكاً أم يبقى خارج المعادلة؟

خاص بوابة بيروت

لم تكن زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق، في 28 تشرين الأول 2026، زيارة بروتوكولية عادية بين دولتين متجاورتين، بل محطة سياسية واقتصادية تستحق التوقف عندها، لما تحمله من دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية، وتلامس مستقبل المنطقة بعد سنوات من الحروب والتدخلات الخارجية والصراعات التي دفعت شعوبها أثماناً باهظة.

فاللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع برئيس الوزراء العراقي يأتي في مرحلة مفصلية، بعد سقوط نظام بشار الأسد، وفي ظل تحولات إقليمية أعادت طرح أسئلة الأمن والسيادة وممرات الطاقة والتجارة الدولية، ولا سيما مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وتزايد الحاجة إلى إيجاد مسارات بديلة لتصدير النفط ونقل البضائع.

لكن أهمية هذه الزيارة لا تكمن في بعدها السياسي والأمني فحسب، بل في إمكان تحويلها إلى نقطة انطلاق لشراكة اقتصادية أوسع، تشمل لبنان أيضاً، وتعيد وصل العراق وسورية ولبنان ضمن شبكة مصالح متكاملة، يكون أساسها التعاون بين الدول، لا الصراع بين المحاور والميليشيات.

فهل نحن أمام بداية مرحلة جديدة تنتقل فيها المنطقة من ذاكرة الدم إلى شراكة المصالح، ومن اقتصاد الحروب إلى اقتصاد التنمية؟

أولاً: ذاكرة الدم بين العراق وسورية… دروس لا يجوز تجاهلها

لا يمكن قراءة مستقبل العلاقات العراقية السورية من دون العودة إلى السنوات التي تحولت فيها سورية إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية.

لقد شكّل ظهور تنظيم داعش وسيطرته على مناطق واسعة من العراق وسورية واحدة من أخطر المحطات في تاريخ البلدين الحديث. ولم يقتصر خطر التنظيم على احتلال الأراضي وارتكاب المجازر وتهجير السكان، بل امتد إلى ضرب الثورة السورية، وفتح جبهات اقتتال داخلية، واستهداف فصائل من الجيش السوري الحر وقوى المعارضة التي كانت تواجه نظام بشار الأسد.

لقد أسهم إرهاب داعش وتطرفه في تشويه مطالب السوريين بالحرية والكرامة، واستنزاف القوى المناهضة للنظام، وتحويل جانب كبير من الصراع إلى مواجهات داخلية خدمت، في نهاية المطاف، بقاء النظام السابق وأضعفت المجتمع السوري.

وفي المقابل، أدّت ميليشيات عراقية مسلحة مرتبطة بإيران دوراً عسكرياً في دعم نظام الأسد، وشاركت تشكيلات منها في القتال داخل سورية، ضمن تدخلات أسهمت في تعميق المأساة السورية، ورافقتها انتهاكات وعمليات تهجير ودمار واسع.

لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين العراق بوصفه دولة وشعباً، وبين الفصائل المسلحة التي ارتبطت بمشروعات إقليمية وتجاوزت منطق الدولة الوطنية. فالشعب العراقي نفسه دفع أثماناً فادحة نتيجة الإرهاب والحروب والانقسامات الطائفية، ولا يجوز تحميله مسؤولية خيارات الميليشيات.

كذلك، لا بد من التمييز بين داعش وجبهة النصرة؛ فهما ليسا تنظيماً واحداً، وإن ارتبط مسارهما التاريخي في بدايات الحرب السورية. وقد شهدت التشكيلات المسلحة تحولات وانشقاقات وإعادة تشكيل، وصولاً إلى هيئة تحرير الشام، التي أصبحت القوة الرئيسية في إدلب، قبل أن تقود، بقيادة أحمد الشرع، المسار العسكري الذي انتهى بسقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024.

ولا يعني سقوط النظام أن جميع ملفات الماضي قد أُغلقت، أو أن التجارب السابقة أصبحت بمنأى عن المساءلة. فبناء الدولة الجديدة يتطلب معالجة إرث الانتهاكات، وضمان حقوق المواطنين، وترسيخ سيادة القانون، ومنع إعادة إنتاج الاستبداد تحت أي عنوان.

إن الدرس الأبرز من التجربة العراقية السورية هو أن إضعاف الدولة لا يصنع الاستقرار، بل يفتح المجال أمام الميليشيات والتنظيمات المتطرفة لفرض سلطتها، فيما يدفع المواطن الثمن من أمنه وكرامته ومستقبله.

ثانياً: زيارة دمشق… هل تنتصر مصالح الدول على حسابات الميليشيات؟

بعد سقوط نظام بشار الأسد، دخلت العلاقات السورية العراقية مرحلة جديدة اتسمت بالحذر والتباين في المقاربات السياسية والأمنية، في ظل مخاوف متبادلة بشأن مستقبل الحدود، والتحولات داخل سورية، وانعكاسات ذلك على العراق.

وجاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى دمشق لتفتح الباب أمام إعادة بناء العلاقة على أسس أكثر واقعية، تقوم على المصالح المشتركة واحترام السيادة والتعاون الأمني والاقتصادي.

ولا يمكن تجاهل الخلفيات السياسية والمذهبية المختلفة للقيادتين، لكن الخطأ الأكبر هو اختزال العلاقات بين الدول في هويات حكامها أو الانتماءات الطائفية لمجتمعاتها.

فالعراق دولة ذات غالبية شيعية، وسورية مجتمع متنوع، وقد جاءت قيادتها الحالية من سياق سياسي وعسكري مختلف. غير أن المصالح الوطنية لا تُقاس بهذه التصنيفات، بل بقدرة الحكومات على حماية شعوبها، وتعزيز مؤسساتها، وإدارة مواردها، وصون قرارها المستقل.

إن المطلوب من بغداد ودمشق ليس مجرد تبادل الزيارات والبيانات، بل الانتقال إلى تفاهمات عملية تشمل ثلاثة مسارات أساسية:

أولاً: الأمن والسيادة. ضبط الحدود، وتبادل المعلومات، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة، ومنع استخدام أراضي أي من الدولتين للإضرار بالأخرى.

ثانياً: سلطة الدولة. تعزيز المؤسسات الشرعية، ومنع أي جماعة مسلحة من فرض خياراتها على الحكومات أو الاستفراد بقرارات الحرب والسلم.

ثالثاً: الاقتصاد والتنمية. تطوير التجارة والطاقة والنقل والزراعة والاستثمار، بما يحول الاستقرار السياسي إلى فرص عمل وإيرادات ومصالح ملموسة للشعبين.

إن نجاح التقارب العراقي السوري لن يُقاس بما يصدر عن الاجتماعات من تصريحات، بل بما ينتج منها من اتفاقات قابلة للتنفيذ، ومشاريع تخضع للرقابة، ومنافع تصل إلى المواطنين.

فالدولة القوية لا تحتاج إلى ميليشيات تحمي نفوذها، بل إلى مؤسسات شرعية تحمي حدودها وقرارها الوطني.

ثالثاً: مضيق هرمز… حين تتحول ممرات الطاقة إلى قضية أمن قومي

لا يمكن فصل التقارب العراقي السوري عن التحولات التي شهدتها المنطقة نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من اضطراب وإغلاق للملاحة عبر مضيق هرمز.

لقد أظهرت هذه التطورات أن أمن الطاقة لا يتعلق بحجم الاحتياطيات النفطية وحده، بل بقدرة الدول على إيصال إنتاجها إلى الأسواق، حتى في ظل الحروب والأزمات.

فمضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، وأي تعطيل لحركة الملاحة فيه ينعكس على إمدادات النفط والغاز، وأسعار الطاقة، وكلفة النقل والتأمين، وسلاسل التوريد العالمية.

وقد امتلكت السعودية والإمارات ميزة استراتيجية مهمة، بفضل وجود خطوط أنابيب تتيح لهما نقل النفط إلى منافذ بحرية خارج المضيق.

فالسعودية تستطيع نقل النفط عبر خط الشرق–الغرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، فيما يتيح خط أبوظبي للنفط الخام نقله من الحقول البرية إلى الفجيرة على خليج عُمان.

ومع ذلك، تبقى لهذه البدائل حدود تشغيلية وقدرات استيعابية لا تسمح بالضرورة بتعويض جميع الكميات التي قد تتأثر بتعطيل طويل للملاحة.

أما العراق، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على صادراته النفطية عبر موانئ الجنوب، فقد واجه تحدياً استراتيجياً واضحاً: كيف يحمي إيراداته العامة واقتصاده الوطني عندما تصبح طرق التصدير التقليدية معرضة للمخاطر؟

من هنا، برزت الحاجة إلى تنويع منافذ تصدير النفط العراقي، سواء عبر سورية أو تركيا أو غيرهما من المسارات الممكنة.

وقد بدأت بالفعل عمليات نقل منتجات نفطية عراقية عبر الأراضي السورية، فيما عاد مشروع إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس إلى واجهة البحث والتفاوض.

وهذه ليست مجرد تفاصيل فنية، بل تحولات تحمل دلالات استراتيجية؛ إذ إن تنويع طرق التصدير يمنح العراق هامشاً أكبر من المناورة، ويتيح لسورية الاستفادة من موقعها الجغرافي ومرافئها، ويفتح الباب أمام لبنان للمشاركة في مشاريع لوجستية وتجارية مرتبطة بالاقتصاد الإقليمي.

فمن يمتلك الطاقة ولا يمتلك طرقاً آمنة لتصديرها، يبقى اقتصاده رهينة للممرات التي يعبرها.

يتبع..

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك