بقلم غادة المرّ – خاص بوابة بيروت
حرب عالمية ثالثة ترسم خطوطها ومعالمها، اختناق ممرّات بحرية. هي حرب كبرى وبامتياز بين الولايات المتّحدة واسرائيل والعالم الغربيّ يقابله محور المقاومة الإسلاميَة بقيادة طهران وأذرعها في منطقة الشرق الأوسط، في حين قبعت الصين وروسيا في الكواليس، تراقبان الصراع بعين النسر ولكن اختارتا الحياد الخجول.حربٌ عسكريّة لوجه إقتصاديّ عنوانه النفط والغاز والتجارة العالميّة، والتي تمرّ ب مضائق وممرّات بحريّة تجاريّة.
ولربيّ إنّها حرب عالمية، سلاحها الطيران والتكنولوجيا الحديثة والمسيّرات. والقنابل الخارقة والصواريخ البالستيّة.وبطلها السلاح النوويّ وتخصيبه. حرب من السماء وفي البحر، وباطن الأرض.
الممرات والمضائق في الشرق الأوسط
أهمية هذه المضائق تكمن في كونها نقاط اختناق استراتجيْة، من يسيطر عليها او يعطّلها، يشلّ حركة التجارة ويرفع أسعار الطاقة خلال أيام. ويعدّ مضيق هرمز الأخطر بينها، إذ تمرّ عبره صادرات النفط من الخليج إلى العالم. أهمّها:
– مضيق جبل طارق يربط بين أسبانيا والمغرب، و يربط المحيط الأطلسيّ بالبحر المتوسط.
– باب المندب:يربط البحر الأحمر بالمحيط الهنديّ، يتحكّم فيه الحوثيون في اليمن.
– مضيق هرمز :تسيطر عليه إيران ، وهو أهمّ مضيق نفطيّ في العالم .
– قناة السويس المصريّة، تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر.
– مضيق البوسفور والدردانيل مضيقين تركيين.يربطان البحر الأسود بالبحر المتوسط.
الولايات المتحدة
عمدت واشنطن، وخلال عقود الحرب الباردة، للحفاظ على تدفق النفط من الخليج، فبنت قواعد عسكريّة هناك ونشرت الأسطول الخامس في البحرين وبنت أهم قواعدها وسفاراتها في قطر ولبنان.
كما سعت واشنطن مؤخّراً للسيطرة على منابع النفط والغاز، فعمدت للسيطرة على إحتياطيّ فنزويلا من النفط، ولعل ما يحدث الآن في إيران هو منعها من التحكم بمضيق هرمز وباب المندب عبر الحوثيين. ولا شكّ، انّها تستميت مع تل ابيب لمنع طهران من السيطرة على مضيق هرمز وتخصيب اليورانيوم وبالتالي الحصول على القنبلة النوويَة.
والأهم ، خنق الصين ومنعها من الحصول على النفط والطاقة ، وبالتالي عرقلة طريق الحرير الصينيّ.
الصين وطريق الحرير
مع صعود الصين ومشروعها العملاق ، طريق الحرير، أصبحت للمضايق أهميْة متناميَة.فالصين تعتمد بشدَة على النفط القادم من الخليج عبر مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس. وكسر النفوذ الأميركيّ في المنطقة. فالصين وروسيا مع إيران يشكلون حلفاً بوجه الغرب .
إيران وحلم إمبراطوريتها الفارسيّة
منذ قيام النظام الإيرانيّ بعد رحيل الشاه وثورة ١٩٧٩،، أدركت طهران ان ميزان القوة العسكريّة التقليديْة، يميل لصالح الغرب، لذلك طوّرت استراتجيَة التحكّم بالممرات البحريّة.
اعتمدت هذه الاستراتجية على نقاط ثلاث
أولاً… الهيمنة الجغرافية على مضيق هرمز. فإيران تمتلك شواطئ طويلة على المضيق، ومنظومة صواريخ ساحليّة وزوارق سريعة تهاجم الأهداف وتزرع الألغام البحريّة. ما يمنحها القدرة على تهديد الملاحة في أهمّ ممرَ نفطيّ في العالم.
ثانيًا… بناء نفوذ في باب المندب من خلال إنشاء ودعم وتسليح الحوثيين، ذراعها في اليمن.
ثالثًا… شبكة الوكلاء الإقليميين. تعتمد إيران على حلفاء وأذرع لها محلّيين في عدّة دول، كحزب الله في لبنان والحشد الشعبيّ في العراق ومنظّمة البوليساريو في الجزائر.
وكلّ مرّة يرتفع منسوب التصعيد العسكريّ في المنطقة، يقف العالم على حافة أزمة طاقة خانقة. ما يرفع أسعار النفط الى مستويات قياسيَة، فيعيد رسم التوازنات الاقتصاديَة الدوليَة.
لا تحاول إيران السيطرة المباشرة على المضائق، بل تستخدم أذرعها في المنطقة، لخلق طوق استراتجيّ خانق ومؤثّر حول طرق التجارة والممرّات البحريّة.
ولعلَ هذه الاستراتجيَة التي تعتمدها طهران، شكلت خطراً هائلاً ما استدعى تدخلاً غربيّاً وأميركياً واسرائيلياً لمنع إغلاق هذه الممرات، وقد اشتعلت مواجهات عسكريّة برّية و بحريَة واسعة بين إيران وواشنطن وحلفائها، فتحوّلت حرب الظلّ في الشرق الأوسط الى صراع عالميّ على التحكّم ب شرايين الطاقة والنفط والغاز…
إيران اليوم أوعزت لأذرعها بفتح جبهة إسناد ضد دول الخليج عبر أذرعها في العراق ، الحشد الشعبيَ، وأوعزت لذراعها في لبنان، حزب الله، فتح جبهة إسنادٍ اخرى في جنوب لبنان ضد إسرائيل، وعمدت لتفعيل جبهة اليمن بواسطة الحوثيين لتسكير مضيق المندب في أي لحظة. وعمدت بواسطة الحرس الثوري لإغلاق وتفخيخ ممر مضيق هرمز أمام حاملات النفط والسلع المختلفة، وضرب السفن التي تعبر المضيق.
لو سمحت الولايات المتحدة لايران بمهلة زمنيَة تتخطى السنة، لكانت طهران امتلكت القنبلة النووية، وأغرقت الشرق الأوسط عبر أذرعها بالأنفاق ومصانع الكبتاغون وتجارة السلاح وصناعة المسيرات، ومراكز التدريب، والسجون وتجنيد المقاتلين وشراء الإعلام والموالين واختراق وتشيع المجتمعات والدول وبسط نفوذها على الشرق الأوسط والخليج العربيّ وصولاً لأوروبا واميركا اللاتنيّة وأفريقيا، ولتابعت قمع شعبها وترهيبه و تصدير الثورة الإسلامية الإيرانيّة … وحتماً غدت قوة عسكريّة وعقائديَة وازنة مدمّرة فاعلة في العالم.
في الحروب يدفع الأبرياء والمدنيون الفاتورة الأغلى و ثمن النزاعات وجنون القادة والتحالفات والنفوذ ومصالح الكبار وثمن الثروات والنفط والأرض والغنائم … رعباً ودماً وتهجيراً ونزوحاً وإعاقات، ويخسرون أيضاً ممتلكاتهم وأرواحهم.
حين تتحوّل الجغرافيا الى سلاح قاتل ومدمّر تسقط كلّ الخطوط الحمراء وتتكلّم الجيوش والصواريخ والطائرات، وترسم الجبهات بالرصاص و بالحبر الأحمر، ملامح النفوذ والمستقبل، وحدود الانتصار أوالهزيمة.