بقلم حسني حمادة – خاص بوابة بيروت
إن أحد أبرز أسرار تماسك البيئة الحاضنة لأي قوة سياسية يكمن في شعورها بأنها تخوض معركة وجودية، حيث يتحول الصراع من مجرد خلاف سياسي قابل للنقاش إلى مسألة بقاء لا تحتمل التهاون. في هذه الحالة، تتراجع الأسئلة النقدية الداخلية ويتقدم منطق الاصطفاف والدفاع، حتى ولو على حساب مراجعة الأسباب أو المحاسبة.
المفارقة تكمن في أن الخطاب المعارض، بدل أن يضعف هذا التماسك بين البيئة والحزب، قد يسهم في تعزيزه.
فعندما ينزلق الخطاب من نقد الأداء والسلوك إلى تعميم الاتهام وشيطنة بيئة اجتماعية أو طائفة بأكملها، فإنه يثير رد فعل عاطفيًا حادًا يدفع بالمزيد من الالتصاق حول الجهة المستهدفة. وهنا يفقد الخطاب المعارض وظيفته السياسية، ويتحوّل إلى أداة تعبئة معاكسة.
الأخطر في هذا المسار هو تحويل الخلاف السياسي إلى انقسام هوياتي عميق، حيث تتسع الفجوة بين مكونات المجتمع ويصبح أي نقاش عقلاني شبه مستحيل.
وعندما تشتعل النار الطائفية، فإنها لا تميز بين معارض ومؤيد، بل تلتهم الجميع وتعيد تشكيل الصراع على أسس أكثر حدة وخطورة.
لذلك، فإن إعادة إنتاج خطاب سياسي وإعلامي متزن لم تعد خيارًا للمعارضين بل ضرورة ملحة، بهدف التمييز بين التنظيم السياسي والبيئة الاجتماعية دون تعميم.
وحده هذا النوع من الخطاب قادر على إحداث اختراق حقيقي، بدل أن يقدم، دون قصد، خدمة مجانية لمن يسعى إلى تعزيز منطق الاصطفاف والانقسام. في نهاية المطاف، يثبت الحزب، حتى بمعارضيه، نجاحه في استثمار أي خلل في خطابهم لصالحه.