خاص بوابة بيروت

كاتبة وناشطة سياسية
لبنان لا تنتهي فيه الحروب حين تتوقف الصواريخ، بل حين تتبدّل موازين القوى أو تُفرض تسوية تفوق قدرة الدولة على الاحتمال. اليوم، وبين إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقفًا مؤقتًا للتصعيد مع إيران، وتأكيد رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن لبنان غير مشمول بهذا المسار، يتكرّس واقع خطير: الجبهة اللبنانية لا تزال مفتوحة، وربما أمام مرحلة أكثر تعقيدًا.
السؤال لم يعد: هل انتهت الحرب؟
بل: ماذا يريد “حزب الله” في هذه المرحلة؟
وهل نحن أمام حرب استنزاف طويلة، أم تسوية مؤجلة تُطبخ على حساب لبنان؟
الوقائع تشير إلى أن الحزب يتحرك وفق ثلاث ركائز: إعادة بناء القوة، إعادة تشكيل الداخل، وربط الجبهة اللبنانية بمسار إقليمي أوسع.
أولًا: إعادة بناء القوة… لا معركة حاسمة
المعطيات تظهر أن “حزب الله” لم يتعامل مع حرب 2024 كضربة قاضية، بل كمرحلة إعادة تموضع. عمل على إعادة بناء ترسانته، تطوير التصنيع المحلي، واعتماد بنية عسكرية أكثر مرونة.
هذا لا يعني استعادة كاملة للقوة، بل إعادة تعريف “الصمود”. ليس تحقيق نصر تقليدي، بل منع الانهيار ورفع كلفة أي محاولة لفرض تغيير بالقوة.
المفارقة هنا واضحة، الحزب لا يحتاج أن يربح الحرب، يكفيه أن يبقى، بينما لبنان يدفع كلفة الاستنزاف.
ثانيًا: الحرب كأداة لإعادة تشكيل الداخل
المعركة لم تعد محصورة في الجنوب، بل تمتد إلى قلب الدولة: الحكومة، المجلس النيابي، وشرعية القرار.
تصاعد خطاب “حزب الله” تجاه السلطة يعكس توجهًا نحو مرحلة ما بعد الحرب، حيث يسعى لترجمة قوته العسكرية إلى نفوذ سياسي أكبر.
الحرب تؤدي هنا ثلاث وظائف:
- شدّ العصب داخل بيئته
- حماية موقعه السياسي
- التحضير للاستحقاق النيابي المقبل
الخطر أن تتحول الحرب من مواجهة مع “إسرائيل” إلى وسيلة لإعادة صياغة الحكم في لبنان، فيما الدولة تتراجع أكثر.
ثالثًا: ربط الجبهات… ولبنان في قلب معادلة إقليمية
الركيزة الأهم هي إبقاء لبنان جزءًا من الصراع الإقليمي. إيران ترى في الساحة اللبنانية ورقة ضغط، و”حزب الله” يعتبر هذا الربط ضمانة لدوره.
في المقابل، يعمل العدو الإسرائيلي على فصل الجبهات، والاستمرار في استنزاف لبنان حتى في حال تهدئة مع طهران.
هذا يفسّر انتقال العدو من سياسة الردع إلى محاولة فرض واقع ميداني جديد في الجنوب، عبر توسيع نطاق العمليات وخلق خطوط تماس داخل الأراضي اللبنانية.
ما يعني أن الخطر لم يعد فقط حربًا، بل احتمال إعادة رسم الجغرافيا بالنار.
هل نحن أمام نهاية الحرب؟
المعطيات لا تشير إلى نهاية قريبة، بل إلى ثلاثة سيناريوهات:
- حرب استنزاف طويلة
وهو السيناريو الأرجح: لا حسم، بل ضربات متبادلة واستنزاف اقتصادي واجتماعي مستمر.
- تسوية مؤجلة بشروط قاسية
أي اتفاق مستقبلي سيرتبط بإعادة الإعمار وشروط سياسية وأمنية، خصوصًا ما يتعلق بالسلاح ودور الدولة.
انهيار داخلي
مع تصاعد النزوح، الخسائر البشرية، والانقسام السياسي، يصبح خطر انهيار الدولة واقعيًا.
ماذا يعني ذلك للبناني؟
الحرب لم تعد حدثًا مؤقتًا، بل واقعًا يوميًا. النزوح تحوّل إلى أزمة اجتماعية طويلة. الاقتصاد ينهار تحت ضغط الحرب. والدولة تفقد تدريجيًا قدرتها على فرض سيادتها.
لبنان لا يدفع فقط ثمن مواجهة مع “إسرائيل”، بل ثمن تحوّله إلى ساحة صراع إقليمي.
في الخلاصة، إن استراتيجية “حزب الله” تبدو استراتيجية بقاء: عسكريًا في الميدان، وسياسيًا في الداخل، ضمن مشروع إقليمي أوسع.
لكن ما يُعتبر بقاءً للحزب قد يتحول إلى استنزافٍ للدولة.
السؤال الحقيقي اليوم: هل يبقى لبنان دولة ذات قرار، أم يتحول إلى ساحة مفتوحة؟
لبنان لا يحتاج مزيدًا من الشعارات، بل قرارًا وطنيًا واضحًا، ألا تكون أرضه ساحة صراع، ولا شعبه وقودًا، ولا دولته رهينة سلاح يتقدم على الدستور.
الحرب قد لا تنتهي قريبًا، لكن الأخطر أن تتحول إلى أمرٍ واقع…
بينما هي في الحقيقة نتيجة غياب الدولة وفائض السلاح وعجز السياسة.