​#انتصاراتٌ محروقة : حين يُهزم #الوطن باسم الغلبة

​بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت
@MirazJundi

​لبنان بين “فقه الدولة” و”وهم المواجهة”، أيُّ نصرٍ هذا الذي لا يترك خلفه سوى الركام؟

​ليست المعضلة اللبنانية اليوم في عجزنا عن قراءة “خرائط النار”، ولا في نقص الخبراء القادرين على تفكيك مسارات الصواريخ، المشكلة أعمق وأقسى، إنها تكمن في تلك الفجوة المرعبة بين ما يُضخ في العقول، وبين ما تراه العيون بلا رتوش.

مشهد بلدٍ يتآكل، وأرضٍ تتحول تدريجيًا إلى مساحة مفتوحة للدمار، فيما تُسوّق لنا وقف إطلاق النار على انها «الانتصارات» كأنها إنجازات تاريخية فوق جثث القرى.

​أيُّ نصرٍ هذا الذي يُقاس بعدد البيوت المدمّرة؟

وأيُّ توازن ردعٍ ذاك الذي يمرّ فوق عائلاتٍ شُرّدت وفقدت في لحظة شقاء العمر ومصدر الرزق؟ في لبنان، لم يعد المواطن بحاجة إلى منظّرين ليشرحوا له “حجم الإنجاز”، فهو بحد ذاته “التقرير الميداني” الأصدق، بيته المهدّم هو البيان، نزوحه القسري هو الإحصاء، وخوفه اليومي هو الخلاصة.

ومع ذلك، يُطلب منه الصمت؛ بل يُمنع عليه حتى أن يئن، إذ يُقابل أي وجع بحملات “تخوين” جاهزة، وكأن الألم بات خيانة، وكأن المطالبة بالحياة خروج عن «الخط العام».

​لقد آن الأوان لكسر هذه الحلقة الجهنمية، والانتقال الشجاع من “فقه المواجهة الدائمة” حيث الحرب هدف بحد ذاتها إلى “فقه الدولة” حيث الإنسان هو المبتدأ والمنتهى.

“فقه الدولة” ليس ترفاً، بل هو تعريف الهوية، أن يكون السلاح محكوماً بالقانون لا العكس، وأن يكون القرار نابعاً من المؤسسات لا مفروضاً عليها، وأن يكون المواطن محمياً بظل شرعيته لا “مستخدمًا” في مشاريع عابرة للحدود.

​في المقلب الآخر، لا يمكن تبييض صفحة آلة عسكرية إسرائيلية أثبتت، من غزة إلى الجنوب، أن كلفة مواجهتها تُدفع دائماً من لحم المدنيين.

هذا ليس تبريراً، بل توصيف للواقع؛ فحين تكون موازين القوى مختلّة، يصبح الذهاب إلى مواجهة مفتوحة دون قرار دولة مقامرةً بوجود الناس لا بطولة.

بين عبثية السلاح المنفلت من جهة، ودموية الحرب الإسرائيلية من جهة أخرى، يقف لبنان في موقع واحد، الخاسر الدائم.

​من هنا، يصبح طرح خيار السلام العادل والواقعي ليس ضعفاً، بل هو ذروة الواقعية الوطنية.

السلام هنا يعني استعادة القرار:

  • ​أن تعود الدولة المظلة الوحيدة والحصرية للسلاح.
  • أن تُفعَّل الاتفاقات الدولية، وفي مقدّمها اتفاق الهدنة، كدرع قانوني يحمينا من الانزلاق نحو الهاوية.
  • ​أن يُعاد ربط لبنان بمسار استقرار إقليمي يضع حداً لدورات العنف التي لا تنتهي.

​السؤال الذي يواجه اللبنانيين اليوم، بلا مواربة، هل نريد دولة تحمي شعبها وتمنحه غداً، أم ساحةً تُدار فيها حروب الوكالة بدمائنا؟

​إن الاستمرار في تسويق «الانتصارات المحروقة» لن يعيد بيتاً، ولن يطمئن طفلاً.

ما يُبنى فوق الأنقاض ليس نصراً، بل هو مجرد “تأجيل للسقوط الكبير”.

وحده المسار الذي يعيد القرار إلى “بيت الشعب” أي الدولة هو النافذة الوحيدة المتبقية للخروج من هذا الانحدار.

​أما ما عدا ذلك، فليس سوى إعادة إنتاج للهزيمة… بخطابٍ أعلى، وركامٍ أكثر. فقه الدولة هو المقاومة الحقيقية لأنها تحمي الإنسان قبل أن تحمي الجدران.”

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك