“خيار ثالث” أم خجل إيديولوجي من الانحياز إلى “خيار الدولة”؟

وأنا أتابع النقاش حول “خيار ثالث” في مقاربة الأزمة الوطنية الحالية، “خيار” يحاول أن يتموضع بين خيارين رئيسيين آخرين، وجدت نفسي في قراءة مختلفة لطبيعة هذا “الخيار”. ألخّص موقفي بالملاحظات التالية:

أولاً، يصعب اعتبار هذا “الخيار الثالث” خياراً بالمعنى العملي للكلمة، أي كفعل سياسي يأخذ مكانه بين الخيارين الآخرين؛ فهو ليس مثلهما جزءاً من الصراع داخل المؤسسات الدستورية، ولا هو قوة عسكرية يمكن أن يكون لها كلمة سياسية، كما أنه بعيد من أن يشكّل حركة اجتماعية شعبية تستطيع التأثير على الطرفين من خلال الضغط في الشارع أو في الإعلام أو في العلاقات الإقليمية والدولية. إنه أقرب، حتى الآن، إلى مجموعة أفكار نقدية للخيارين الآخرين يتشارك فيها عدد من الكتّاب.

ثانياً، لم أجد في هذه الأفكار النقدية ما يسمح بتصنيفها كـ«نيو-ممانعة» مثلما يفترض بعض منتقديها. فإذا اعتمدنا على نص الصديق زياد ماجد في “ميغافون” “هل صحيح ان الخط الثالث مجرد وهم وطهرانية سياسية؟”، الذي يحاول فيه جاهداً الدفاع عن وجهة نظر “الخيار الثالث”، نلاحظ أنه يعلي من شأن ثوابت ثلاث، يعتبر انها تمثّل مواقف نائب رئيس الحكومة ووزير الثقافة ووليد جنبلاط. والثوابت الثلاث هي:

– “ضرورة وقف الحرب الإسرائيلية.
– إطلاق مفاوضات مع إسرائيل للوصول إلى اتفاق وقف نار وترسيم حدود وانسحاب من الأراضي اللبنانية على أساس اتفاقية الهدنة والقرارات الأممية ذات الشأن، والاتفاق على نصوص مشابهة من دون الحديث عن سلام وتطبيع وعن مسائل تتطلب وقتاً طويلاً وحلولاً إقليمية وفلسطينية.
– تسليم سلاح حزب الله للجيش اللبناني وبسط سلطة الأخير وحده على كامل الأراضي، واستعادة الدولة لقرار الحرب والسلم، كل ذلك في إطار توافقات واجبة ومساعٍ عربية ودولية دون الانجرار إلى صراع داخلي.”

هذه الثوابت لا تخرج عن مواقف «النيو – ممانعة» فحسب، بل هي برأيي في صلب موقف “خيار الدولة”، وهو ما لا يعترف به للأسف زياد ماجد ورفاقه في “الخيار الثالث”، ما يمهّد للملاحظة الأخيرة والأهم بالنسبة لي.

ثالثاً، عندما يتكلم زياد ماجد وغيره عن خيارهم الثالث، لا يتعاملون مع الخيارين الآخرين ك”خيارات”، بل ك”خطابين حادّين وتبسيطيين: الأول يؤيد حزب الله بلا مساءلة، والثاني يعدّ حزب الله مسؤولاً وحده عن جميع الفظائع الإسرائيلية والدمار وعمليات التهجير والتفجير، ويرى في المفاوضات وصولاً إلى السلام مع إسرائيل الحل الوحيد للكارثة الراهنة.”

إسقاط تسمية «الخيارين» عن هذين “الخطابين” يقلّل من جهة، من وطأة الصراع وحدته واحتمال انفجاره العسكري، ويعلي من جهة ثانية من شأن أفكار، هي بالفعل “خطاب”، ويحوّلها الى “خيار ثالث”.

المشكلة هنا ليست لغوية بل عملية، إذ إننا أمام احتدام صراع بين ثنائي مسلّح يحظى بقاعدة شعبية، وهو ممثل في إطار المؤسسات الدستورية، أي على عكس الخيار الثالث تماماً.

لماذا يسمّي زياد ماجد الخيارين «بالخطابين» ولماذا لا يعترف بأن هناك خياراً اسمه “خيار الدولة” وخياراً آخر اسمه “خيار حزب الله”؟

عندما تطرّق الصديق زياد إلى الثوابت الثلاث اعتبر أنها تعكس مواقف نائب رئيس الحكومة ووزير الثقافة ووليد جنبلاط، وتجاهل أن مواقف الوزيرين كوزيرين جزء من خيار الحكومة أي من “خيار الدولة”، ومواقف جنبلاط من خلال من يمثله في الحكومة تؤيد هذا الخيار بشكل عام، وان هذه المواقف ليست بعيدة عن مواقف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وهما يمثلان الموقف الرسمي للسلطة التنفيذية التي تتولى تحديد الموقف من حزب الله ومن المفاوضات.

أن تكون هناك مواقف من داخل او من خارج الحكومة، على يسار أو على يمين الرئيسين، أو أن تكون مواقفهما غير كافية وينقصها مقاربات دبلوماسية أوسع وشكاوى قانونية ضد إسرائيل كما يقترح عن حق زياد ماجد، فهذا لا يجعل منها قابلة للنقض في جوهرها، وخاصة في علاقتها ب”خيار حزب الله”.

الأهم من كل ذلك هو ان “خيار الدولة” هذا ليس مجموعة مواقف أو خطاباً، بل آلية دستورية لإنتاج المواقف الوطنية، وهذا تحديداً ما يميّز “خيار الدولة” عن “خيار حزب الله” الذي يرفض الاحتكام الى هذه الآلية وعقيدته لا تعترف بالدستور. أليس من المفترض ان يتنبه دعاة “الخيار الثالث” الى هذا الفرق القاطع بين الخيارين الآخرين؟ لا أعتقد شخصيا أن هناك بديلاً عن هذه الآلية الدستورية لإخراج البلاد من أزمتها الوطنية. وحدها هذه الآلية تسمح بالقول اذا كان هذا القرار او ذاك وطنياً او غير وطني، وكل كلام آخر عن “التوافق الوطني” من خارج هذه الآلية هدفه عرقلة “خيار الدولة”.

لطالما كانت علاقة “قوى التغيير” بالدولة ملتبسة، أياً يكن الاتجاه الذي انتمت إليه هذه القوى، اليساري أو القومي أو الإسلامي، وهو التباس يستمد جذوره، على ما أعتقد، من العلاقة الملتبسة مع الكيان اللبناني ككل.

هل يصح الافتراض أن “الخيار الثالث” هو من بين “قوى التغيير” هذه التي لا تزال تخجل من الانحياز صراحة إلى “خيار الدولة”، وكأنها تجد في ذلك علامة ضعف أيديولوجية في موقفها، هي التي لا تتوقف عن مطالبة الدولة في خطابها، دون أن تعترف بها وبآليات عملها، عندما يحين وقت اتخاذ القرارات او “الخيارات”؟

يذكّرني ذلك بتردد بعض “نواب التغيير” حيال الاصطفاف مع هذا الفريق أو ذاك إبّان الدورات المتتالية لانتخاب رئيس للجمهورية، وهي العملية التي كان يعطّلها حزب الله مصراً على فرض انتخاب سليمان فرنجية. والمسألة في حينه كانت أيضاً صراعاً بين من كان يريد تطبيق الدستور ومن كان يعطّل تطبيقه، أي أيضاً بين “خيار الدولة” و”خيار حزب الله.”

أظن ان خطورة الوضع الحالي تتطلب الاصطفاف إلى جانب “خيار الدولة”، مع رفده بالأفكار النقدية التي تساعده على النجاح، ومن بينها بعض أفكار “الخيار الثالث”. ف”خيار حزب الله”، الذي لن يؤدي الا الى اصطدام أهلي حتمي، وهذا الاصطدام ليس مجرد “تهديد يلجأ إليه حزب الله ومن خلفه إيران على نحو ابتزازي وغير مسؤول” كما كتب زياد ماجد؛ فهو ليس للابتزاز، اذ قد عوّدنا حزب الله على تنفيذ تهديداته العسكرية والامنية، كما أنه لم يبالِ يوماً بأن يكون مسؤولاً عن تنفيذ هذه التهديدات، فكيف يُبالي اليوم بالمسؤولية عن إطلاقها؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك