أزمة الإنترنت في إيران تتحول إلى ملف سياسي واقتصادي يفاقم الاحتقان الداخلي
خاص بوابة بيروت
تحولت أزمة الإنترنت في إيران من قضية تقنية وخدماتية إلى واحدة من أكثر الملفات حساسية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بعدما تجاوزت تداعيات القيود والانقطاعات المتكررة حدود الاتصال والتطبيقات، لتطال العمل والتعليم والتجارة والحياة اليومية، وتكشف حجم الارتباك داخل مؤسسات الحكم بشأن إدارة الفضاء الرقمي.
وبعد نحو 79 يومًا من القيود المشددة والانقطاعات المتكررة، باتت الأزمة تعكس تناقضًا متزايدًا داخل النظام في إيران بين الحاجة إلى اقتصاد رقمي نشط، والخشية من فضاء إلكتروني مفتوح يمكن أن يتحول إلى منصة لتنظيم الاحتجاجات وكسر الاحتكار الإعلامي الرسمي.
وفي هذا السياق، تناولت صحيفة شرق الملف تحت عنوان “مشروع إعلامي حكومي لإعادة فتح الإنترنت”، معتبرة أن الحكومة تحاول تسويق صورة توحي بأنها تسعى إلى إعادة الإنترنت بصورة طبيعية، بينما تستمر عمليًا القيود التقنية والرقابية التي تحد من الوصول الحر إلى الشبكة.
ورأت الصحيفة أن التصريحات الرسمية المتكررة حول “الانفراج القريب” أو “إعادة الفتح التدريجي” بقيت حتى الآن ضمن إطار الرسائل الإعلامية، من دون أن تنعكس فعليًا على الواقع، معتبرة أن ما يجري يبدو أقرب إلى حملة علاقات عامة هدفها احتواء الغضب الشعبي المتزايد.
كما سلطت الصحيفة الضوء على جانب آخر من الأزمة يتمثل في الارتفاع الكبير في تكاليف الوصول إلى الإنترنت، مشيرة إلى زيادة الأسعار وتراجع جودة الخدمة في الوقت نفسه، ما خلق، بحسب توصيفها، شكلًا جديدًا من “التمييز الرقمي”.
وباتت الفئات القادرة ماليًا تملك إمكانية الوصول إلى خدمات أفضل أو استخدام أدوات لتجاوز القيود، فيما يجد أصحاب الدخل المحدود أنفسهم أمام إنترنت بطيء ومقيد يؤثر مباشرة على فرصهم في العمل والتعليم والتواصل، ما حوّل الإنترنت تدريجيًا من خدمة عامة إلى امتياز مرتبط بالقدرة المالية.
وفي مادة أخرى بعنوان “هيئة جديدة… أزمة قديمة”، انتقدت الصحيفة إنشاء مؤسسات وأطر إدارية إضافية لمعالجة الملف الرقمي، معتبرة أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في نقص الهيئات، بل في تضارب مراكز القرار بين المؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية.
ويظهر هذا التناقض بوضوح، وفق الصحيفة، في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن أهمية الاقتصاد الرقمي وجذب الاستثمارات التكنولوجية، بينما تستمر جهات أخرى في فرض قيود واسعة تعرقل النشاط الاقتصادي المرتبط بالإنترنت.
من جهتها، تناولت صحيفة آرمان ملي العلاقة بين تصاعد “استياء المجتمع” ومحاولات الحكومة بث رسائل تفاؤل، في إشارة إلى إدراك متزايد داخل النظام في إيران بأن أزمة الإنترنت أصبحت أحد أبرز مصادر الغضب الشعبي، خصوصًا بين الشباب والطلاب والعاملين في التجارة الإلكترونية وأصحاب الأعمال الصغيرة.
كما ساهم تراجع جودة الاتصال وارتفاع التكاليف في تحويل الإنترنت نفسه إلى رمز للفجوة المتزايدة بين وعود السلطة والواقع المعيشي الصعب الذي يواجهه الإيرانيون.
وتأتي هذه الأزمة في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني أصلًا من ضغوط شديدة مرتبطة بالتضخم وتراجع العملة وأزمات الكهرباء والطاقة، ما يجعل القيود الرقمية عبئًا إضافيًا على مجتمع يواجه أزمات متراكمة.
وباتت الشركات الصغيرة والمتوسطة ومنصات البيع الإلكتروني والعاملون المستقلون عبر الإنترنت يواجهون صعوبات متزايدة في الاستمرار، في ظل غياب حلول واضحة أو جدول زمني فعلي لإنهاء الأزمة.
وتكشف هذه التطورات أن أزمة الإنترنت في إيران لم تعد مجرد خلاف تقني أو إداري، بل أصبحت مرآة لأزمة حكم أعمق، تتمثل في محاولة السلطة الجمع بين الحاجة إلى الانفتاح الاقتصادي والخوف من الانفتاح السياسي، وهو تناقض يبدو أنه يزداد حدة مع تصاعد الاحتقان الاجتماعي وتراجع الثقة بقدرة الحكومة على إدارة الأزمات الداخلية.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير