
رئيس التحرير
الديمقراطية على قياس “حزب الله” : شارعٌ يُسمح له وآخر يُخوَّن
خاص بوابة بيروت
تتكرّر في الخطاب الصادر عن نعيم قاسم مفردات “الشعب” و”الشارع” و”إسقاط الحكومة”، وكأنّ حق الاعتراض والديمقراطية يصبح مشروعًا فقط عندما يخدم أجندة “حزب الله” ومصالحه السياسية. غير أنّ السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا، من هو “الشعب” الذي يتحدث باسمه الحزب؟ وهل اختُزل لبنان بطائفة واحدة، أم حتى بجزء من طائفة واحدة؟
لبنان ليس ملكًا لتنظيم مسلح، ولا حكرًا على جماعة تظن أنها تملك حق منح الشرعية أو نزعها عن الدولة والحكومة والمؤسسات. وإذا كان من حق الناس الاعتراض والنزول إلى الشارع، فهذا الحق لا يقتصر على جمهور حزب السلاح، بل يشمل أيضًا ملايين اللبنانيين الذين تعبوا من منطق الوصاية، ومن تحويل الدولة إلى رهينة مشروع إقليمي مرتبط بإيران أكثر مما هو مرتبط ببيروت.
المفارقة الكبرى أنّ من يرفع شعار “إرادة الشعب” يرفض عمليًا أي تعبير شعبي لا يصب في مصلحته. فحين خرج اللبنانيون في 17 تشرين، ورفعوا صوتهم ضد الفساد والسلاح والهيمنة، جرى تخوينهم واتهامهم بالعمالة والسفارات والمؤامرات. وحين يطالب لبنانيون اليوم بحصرية السلاح بيد الدولة، يُتهمون بأنهم أدوات “المشروع الأميركي” أو “الصهيوني”. أي ديمقراطية هذه التي تعترف فقط بالشارع التابع للحزب، وتلغي أي شارع آخر؟
الواقع الذي تحاول ماكينة الحزب إنكاره هو أنّ البيئة الشيعية نفسها لم تعد كتلة صمّاء. داخل الجنوب والبقاع والضاحية أصوات كثيرة صامتة أو خائفة أو مقموعة، لكنها تعبت من الحروب، ومن دفع أثمان مشاريع لا تعود على الناس إلا بالدمار والعزلة والفقر. كثير من الشيعة اللبنانيين يريدون دولة طبيعية، وجيشًا قويًا، وحدودًا مستقرة، وحياة لا تُختصر بالموت والشعارات العسكرية.
أما التلويح بالنزول إلى الشارع كوسيلة ضغط أو تهديد، فهو يعكس أزمة أعمق، عجز المشروع المسلح عن التأقلم مع فكرة الدولة الطبيعية. لأن من اعتاد فرض المعادلات بالقوة، يصعب عليه قبول فكرة أن القرار النهائي يجب أن يعود إلى المؤسسات والدستور والانتخابات، لا إلى فائض القوة.
لبنان اليوم يقف أمام مواجهة واضحة بين منطقين، منطق الدولة التي يريدها اللبنانيون لكل أبنائها، ومنطق الميليشيا التي تعتبر نفسها فوق الدولة وفوق المحاسبة. وبين هذين الخيارين، تتحدد هوية المرحلة المقبلة.
وإذا كان الشارع حقًا للشعب، فالشعب اللبناني بكل طوائفه ومناطقه يملك أيضًا حق الدفاع عن دولته، وعن مؤسساته، وعن حقه في العيش خارج منطق السلاح والتهويل والوصاية الإيرانية. فالحكومة ليست “مكسر عصا”، والدولة ليست تفصيلًا ثانويًا في مشروع عابر للحدود.
لبنان أكبر من أي تنظيم، وأبقى من أي سلاح، وأقوى من محاولات إخضاعه لمنطق التخويف. والكلمة الأخيرة لن تكون لمن يصرخ أكثر، بل لمن يستطيع أن يبني دولة تحمي الناس بدل أن تستهلكهم في حروب لا تنتهي.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير