
رئيس التحرير
باريس تفتح نافذة لـ”شيعة الدولة” في لبنان على طريق إعادة الإعمار و السلام
خاص بوابة بيروت
لم تأتِ المبادرة التي وُلدت في باريس من فراغ، ولا كانت مجرد لقاء شيعي نخبوي يعيد تكرار عبارات مألوفة عن الدولة والسيادة والسلام. بل جاءت من قلب الوجع اللبناني، ومن ذاكرة جماعية مثقلة٨ بالحروب والنزوح والفرص الضائعة، لتقول إن الوقت قد حان لانتزاع لبنان من دائرة الموت البطيء التي أُجبر على الدوران فيها لعقود.
جاءت المبادرة لتؤكد أن أبناء الطائفة الشيعية، كما سائر اللبنانيين، ليسوا محكومين بخيار واحد، ولا أسرى سردية واحدة، وأن حقهم في الحلم بدولة عادلة لا يقل شرعية عن حقهم في الأمن والكرامة والعيش الكريم.
باريس، التي شهدت محطات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، تحولت هذه المرة إلى مساحة لولادة خطاب مختلف، خطاب لا يبحث عن الغلبة، بل عن الشراكة، ولا يقدّس الحروب، بل يقدّس الإنسان، ولا يرى في الدولة خصمًا، بل الملاذ الأخير لإنقاذ وطن أنهكته المشاريع المتنازعة على أرضه.
وفي لحظة إقليمية تتداعى فيها المحاور وتُعاد صياغة التوازنات، بدا هذا النداء أشبه بمحاولة شجاعة لإعادة لبنان إلى نفسه، وإلى فكرته الأولى، دولة لجميع أبنائها، تحتكر وحدها قرار الحرب والسلام، وتحمي مواطنيها بالقانون والمؤسسات لا بالخوف والأمر الواقع.
ليست هذه المبادرة إعلان مواجهة مع أحد بقدر ما هي إعلان انحياز واضح إلى لبنان، لبنان الذي تعب من دفن شبابه، ومن إعادة إعمار ما تهدّمه الحروب، ومن انتظار المعجزات. إنها دعوة إلى الانتقال من زمن الساحات المفتوحة إلى زمن الدولة، ومن اقتصاد المساعدات المشروطة إلى عدالة الإعمار، ومن ثقافة التعبئة الدائمة إلى ثقافة الحياة. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالإرادة السياسية، ولا تُحفظ بالولاءات العابرة للحدود، بل بعقد وطني يعيد للناس ثقتهم بأن الغد يمكن أن يكون أقل قسوة وأكثر عدلًا.
فقد شهدت العاصمة الفرنسية، بدعوة من رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفرنسي، برونو فوش، ندوة بعنوان «لبنان بين السلام والحرب، شرعية الدولة ودور المجتمع المدني». ولم يكن هذا اللقاء مجرد محطة فكرية عابرة في روزنامة النشاطات السياسية الأوروبية، بل بدا أشبه بمحاولة جادة لإعادة تعريف النقاش اللبناني بعيدًا من ثنائية التخوين والانقسام، وفتح نافذة جديدة على سؤال كان مؤجلًا لعقود,، أي لبنان نريد بعد كل هذا الخراب؟
لم يكن جوهر اللقاء مواجهة فريق سياسي بعينه، بقدر ما كان دعوة صريحة لاستعادة فكرة الدولة اللبنانية بوصفها المرجعية الوحيدة القادرة على حماية الجميع، وصون الحقوق، وإدارة الاختلاف ضمن المؤسسات، بعيدًا من منطق الغلبة والسلاح والارتهان للمحاور الخارجية.
تكمن أهمية هذه المبادرة في أنها انطلقت من داخل بيئة عاشت لعقود تحت وطأة الحروب والخوف والخطاب التعبوي، لكنها اختارت أن تنتقل من موقع الاعتراض إلى موقع تقديم البدائل. لم تعد القضية مجرد رفض لواقع قائم، بل أصبحت محاولة لصياغة مشروع وطني متكامل عنوانه: دولة عادلة، سيدة، شفافة، تحتضن أبناءها جميعًا من دون استثناء.
لقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن الحروب، مهما ارتفعت حولها الشعارات، لا تخلّف سوى المقابر والنزوح والركام. الجنوب اللبناني، الذي كان يُفترض أن يتحول بعد التحرير إلى مساحة للحياة والازدهار، وجد نفسه مرة بعد أخرى يدفع أثمان قرارات كبرى لا يشارك سكانه في صناعتها، فتُهدم القرى، وتُقفل المؤسسات، ويُهجَّر الناس، فيما يبقى المواطن البسيط وحده أمام سؤال النجاة.
وسط هذا المشهد، برزت رؤية مختلفة لإعادة الإعمار، تقوم على كسر الحلقة المفرغة التي حكمت هذا الملف لعقود. فإعادة البناء لا يمكن أن تكون مجرد عملية هندسية لترميم الجدران، بل مشروعًا وطنيًا لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وإعادة الاعتبار لمفهوم العدالة والمساءلة.
لقد دفعت تجارب الإعمار السابقة اللبنانيين إلى طرح أسئلة موجعة: كيف تحولت المساعدات إلى أدوات نفوذ سياسي؟ وكيف أصبحت معاناة المتضررين مادة للاستثمار الانتخابي؟ وكيف انتقلت بعض صناديق الدعم من كونها جسورًا للإنقاذ إلى آليات لإنتاج الولاءات وتكريس الاحتكار؟
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن أزمة النظام السياسي الذي سمح، على مدى عقود، بتكريس احتكار القرار داخل بيئات طائفية كاملة. ففي الحالة الشيعية تحديدًا، يبرز سؤال جوهري حول مستقبل التمثيل السياسي وآليات تجديده. إذ يرى كثيرون أن استمرار رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في موقعه لأكثر من ثلاثة عقود لم يكن نتاج تداول ديمقراطي طبيعي، بل جاء في ظل موازين قوى فرضتها سطوة السلاح وهيمنة الأمر الواقع التي وفّرها تحالفه العضوي مع “حزب الله”، المدعوم من النظام في إيران.
وتعتبر هذه المقاربة أن أي مشروع جدي لبناء الدولة لا يمكن أن يتجاهل مسألة إعادة إنتاج السلطة داخل المؤسسات الدستورية، أو يعفي القيادات التقليدية من المساءلة السياسية. فالمطالبة بعزل رئيس مجلس النواب ليست، وفق أصحاب هذا الرأي، استهدافًا لطائفة أو موقع دستوري، بل دعوة إلى تحرير المؤسسات من منطق الاحتكار السياسي، وفتح المجال أمام تجديد النخب، وإعادة الاعتبار لمبدأ تداول السلطة داخل النظام الديمقراطي اللبناني.
كما يرى أصحاب هذا التوجه أن استمرار الإمساك بالقرار الشيعي من خلال تحالف يقوم على فائض القوة العسكرية أدى إلى مصادرة التنوع داخل الطائفة، وحال دون بروز أصوات إصلاحية مستقلة، الأمر الذي ساهم في ربط مصير شريحة واسعة من اللبنانيين بخيارات إقليمية دفعت البلاد مرارًا إلى حروب مدمرة وأزمات متلاحقة.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إنشاء هيئة وطنية مستقلة لإدارة إعادة الإعمار، تعمل تحت إشراف الدولة اللبنانية وبرئاسة رئيس الحكومة، وتخضع لأعلى معايير الشفافية والرقابة والمحاسبة، عبر منصات إلكترونية واضحة تتيح للمواطنين متابعة المشاريع، والاطلاع على أوجه الإنفاق، وضمان وصول الحقوق إلى أصحابها بعيدًا من أي استنسابية أو استغلال.
غير أن الإعمار الحقيقي يحتاج إلى شرط أساسي لا يمكن تجاوزه “السلام”.
فلا يمكن بناء منزل فيما احتمال تدميره قائم في أي لحظة، ولا يمكن إعادة النازحين إلى قراهم فيما الخوف من الحرب المقبلة يخيّم فوق رؤوسهم، ولا يمكن إقناع المجتمع الدولي بالاستثمار في جنوب لبنان إذا بقي الجنوب مفتوحًا على احتمالات الانفجار الدائم.
لذلك، لم يعد الحديث عن اتفاق يضمن وقفًا نهائيًا للحرب، وحماية الحدود، واستقرار الجنوب، ترفًا سياسيًا أو تهمة جاهزة، بل أصبح ضرورة وطنية وإنسانية وأخلاقية. فالسلام العادل الذي يحفظ الحقوق والسيادة، ويعيد للبنانيين حقهم الطبيعي في الحياة، هو المدخل الحقيقي لإعادة الإعمار، وعودة النازحين إلى منازلهم، وإحياء الاقتصاد المحلي، واستعادة الثقة بلبنان.
فالسلام ليس نقيض الكرامة، بل ضمانتها. وليس تنازلًا عن الأرض، بل حماية لأهل الأرض. وهو وحده الكفيل بوقف النزيف الذي حوّل الجنوب إلى جبهة مفتوحة، وأبناءه إلى رهائن للخوف والترقب.
لقد تعب اللبنانيون من الحروب التي لا تنتهي، ومن الانتصارات التي تشبه الهزائم، ومن إعادة بناء ما يُهدم كل بضع سنوات. وهم يستحقون أخيرًا فرصة مختلفة؛ فرصة للعيش، والعمل، وتربية أبنائهم بعيدًا من صفارات الإنذار وحقائب النزوح.
ربما تكون المبادرات التي وُلدت في باريس مجرد خطوة أولى في طريق طويل، لكنها تحمل قيمة استثنائية لأنها تعيد النقاش إلى مكانه الطبيعي، من يملك حق تقرير مصير لبنان؟ وهل يكون المستقبل امتدادًا لزمن الساحات المفتوحة، أم بداية لعهد الدولة الواحدة التي تحتكر القرار وتحمي مواطنيها؟
لبنان اليوم أمام مفترق تاريخي واضح، إما أن يبقى أسير دوامة الحرب وإعادة إنتاج المآسي نفسها، وإما أن يختار طريق الدولة والسلام والإعمار.
أما الجنوب، الذي قدّم من أبنائه وأرضه وذاكرته أكثر مما يحتمل البشر، فإنه لا يطلب المستحيل. كل ما يريده هو أن يعود أهله إلى بيوتهم، وأن يستعيد البحر زواره، والحقول مواسمها، والأطفال مدارسهم، وأن تتحول القرى التي عاشت طويلًا على حافة الموت إلى أماكن تصلح للحياة.
وهذا، في جوهره، هو المعنى الأعمق لأي مشروع وطني حقيقي، أن ينتصر الإنسان على الحرب، وأن تنتصر الدولة على الفوضى، وأن ينتصر لبنان على جراحه، وأن تخضع جميع السلطات، مهما علا شأنها أو طال بقاؤها، لمعيار المساءلة وتجديد الشرعية عبر الإرادة الحرة للبنانيين.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير