من بعبدا إلى عين التينة والحدود … من رسم الخرائط إلى التحالفات

خاص بوابة بيروت

بينما يُعاد رسم الخرائط الجيوسياسية في المنطقة كلّها، ها هو الوزير السابق جبران باسيل يحاول، مرّة جديدة، إعادة رسم خطوط التماس السياسية بينه وبين دولة الرئيس نبيه برّي. وقد تجلّى الحلف الرباعي المضمر حقيقةً صارخة لا تقبل النقاش.

وما بين هذين الرسمين، برز رسم أوضح بريشة فخامة رئيس الجمهورية، الرسّام الأمهر، الذي وضع معادلة جديدة: شرعية الشارع ستقابلها شرعية المؤسسات الدستورية، بحيث تكون المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية في مواجهة الضغوط التي يحاول شارع إيران ممارستها على شارع الدولة.

فهل بدأت القوى السياسية تعيد ترتيب تحالفاتها على قاعدة مرحلة ما بعد السلاح، لا على قاعدة الانقسام التقليدي بين 8 و14 آذار؟

باسيل… محاولة للعودة عبر بوابة الاتفاق الإطاري

يدور الاشتباك الحقيقي اليوم حول الاتفاق الإطاري وآلية تنفيذه، وليس حول الحكومة أو الملفات الداخلية التقليدية. وقد استغلّ الوزير باسيل هذه الكوّة ليدخل منها إلى الميدان السياسي من جديد، بعدما أخرج نفسه منه نتيجة ممارساته الماضية.

وفي خطابه، كرّر المفردات التعبوية نفسها التي يستعملها دولة الرئيس برّي، مردّدًا عبارات رفض الفتنة وحصر السلاح بيد الدولة، في محاولة للتذاكي في اللعب بالمصطلحات، إذ عاد إلى مفهوم حصر السلاح، محاولًا إسقاط مفهوم نزع السلاح. وبونٌ شاسع بين الحصر والنزع؛ فالحصر يعني عمليًا احتواء السلاح وحامليه داخل الدولة، بينما المطلوب في هذه المرحلة هو نزع السلاح من أيدي حامليه، وتركهم يبحثون عن خياراتهم السياسية بعيدًا من إقحامها في صلب مؤسسات الدولة.

برّي المستفيد… وباسيل يمنح الغطاء

في المقابل، يبدو أنّ باسيل لم يتلقّف ما استغلّه في هذه الزيارة دولة الرئيس برّي، إذ يستفيد الأخير من توسّع دائرة المعترضين على الاتفاق الإطاري، بحيث لا يبدو الاعتراض وكأنه محصور ببيئته السياسية.

وهكذا، كما غطّى الرئيس السابق ميشال عون السلاح غير الشرعي باتفاق 6 شباط 2006، مانحًا إيّاه شرعية مسيحية مكّنته من التحكّم بمفاصل الدولة، مقابل تغطية فساد منظومة عون – باسيل؛ يعود باسيل اليوم ليغطّي رفض شارع إيران، ظنًّا منه أنّه يؤمّن له غطاءً مسيحيًا، متناسيًا أنّ الغطاء النيابي الذي حصّله عام 2022 كان، في جانب كبير منه، من حياكة إيرانية. لذلك، فإنّ قيمة هذا الغطاء السياسي للاعتراض تبدو اليوم محدودة.

رئيس الجمهورية يرسم حدود الشرعية

في المقابل، برز الارتباط بين حركة القوى السياسية وإعادة تعريف مفهوم الشرعية في لبنان خلال المرحلة المقبلة، فيما بدا واضحًا أنّ فخامة رئيس الجمهورية يعيد تأطير الشرعية باعتبارها مستمدة من الدستور وحده.

فبقوله: «ما حدا يهدّدنا بالشارع»، يكون قد أعلن أنّ القرار محسوم. ومن لا يريد تنفيذ هذا المسار، فسيكون غيره في سدّة المسؤولية لاستكمال تطبيق الدستور. فالضغط بالشارع على القرار السياسي أصبح الخط الأحمر العريض الذي رسمه رئيس الجمهورية، وكلّ المعطيات تشير إلى أنّ أي محاولة لتجاوزه ستُواجَه بالقوة الشرعية المحتكرة من مؤسسات الدولة.

من الدولة العميقة إلى الدولة الفاعلة

هذه المعادلة الواضحة تمثّل أولى الخطوات البارزة في إسقاط الدولة العميقة على يدي الدولة الفاعلة. فهي تأتي في لحظة مصيرية ترتفع فيها الأصوات الاعتراضية، مع احتمال حصول تحركات ميدانية خارج الأطر الدستورية التي دعا رئيس الجمهورية إلى الالتزام بها.

وعليه، لن يعود تنفيذ القرارات رهينة ميزان القوى في الشارع، وهو ما تجلّى أيضًا في دعم رئيس الجمهورية للمؤسسة العسكرية ورفضه المساس بها. وهذا ما سيُترجم في المرحلة المقبلة عبر الضمانات التي ستُمنح للمؤسسة العسكرية، وآليات الإشراف التي تمكّن الجيش من تنفيذ القرارات السياسية الصادرة عن الحكومة.

الأمن أولًا… تمهيدًا للاستقرار

وحدها هذه المقاربة قادرة على الحد من استمرار عمليات النسف والتدمير في الجنوب، في ظل تأكيد بنيامين نتنياهو أنّ أي انسحاب سيبقى مرتبطًا بالترتيبات الأمنية التي تطالب بها إسرائيل.

بل إنّ هذه الترتيبات باتت، في جانب كبير منها، مطلبًا للبنانيين الذين يريدون العودة إلى منازلهم وأرزاقهم، بعدما خرج كثير منهم من تحت عباءة إيران ومنظمتها. ويأتي ذلك بالتوازي مع توسيع العقوبات الأميركية على مؤسسات وشخصيات مرتبطة بالبنية المالية لمنظمة «حزب الله»، في مؤشر إلى أنّ الضغط الاقتصادي يسير جنبًا إلى جنب مع التفاوض الأمني.

مرحلة ما بعد السلاح

شكرًا سوريا (نظام الأسد) سقطت. وشكرًا إيران… سقطت، وسيسقط مشروع الهيمنة. لقد أتت مرحلة ما بعد السلاح، وهي المرحلة التي يمكن أن تولد فيها الجمهورية القوية التي لطالما انتظرها اللبنانيون.
فالغاية ليست البقاء فحسب، بل الانتقال إلى الاستمرار عبر الاستقرار؛ إذ لا استمرار من دون استقرار، ولا استقرار من دون الاستمرار في الدولة.

عسى أن يعود أبناؤنا وبناتنا الذين رُحّلوا قسرًا إلى أصقاع الأرض. أما آن الأوان لأن يرحل الذين كانوا السبب في رحيلهم، ليعود اللبنانيون جميعًا، وينهض الوطن من كبوته مجددًا؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك