
باحث في التاريخ
هواجس البيئة من إعادة الإعمار… هل دخل الجنوب مرحلة الأسئلة الصعبة؟
خاص بوابة بيروت
لم يعد الحديث عن إعادة إعمار الجنوب اللبناني مجرد ملف هندسي أو مالي، بل تحول إلى هاجس اجتماعي وسياسي يفرض نفسه على أبناء المنطقة قبل سواهم. فالدمار الذي خلفته الحرب يتجاوز، وفق تقديرات كثيرة، قدرة الدولة اللبنانية المنهكة على تحمل كلفته، في ظل انهيار اقتصادي غير مسبوق وعجز مالي يكاد يلامس حدود الإفلاس.
وفي هذا السياق، يعود إلى الواجهة سؤال قديم: هل تقع مسؤولية إعادة بناء المساكن الخاصة على عاتق الدولة أصلاً؟
في معظم دول العالم، تخضع المنازل الخاصة لأنظمة التأمين ضد الكوارث الطبيعية أو الحروب عندما يكون ذلك متاحاً، بينما يقتصر دور الدولة غالباً على الإغاثة، وإعادة تأهيل البنى التحتية، وتقديم التعويضات أو برامج الدعم وفق الإمكانات. ففي كوارث كبرى، مثل إعصار كاترينا في الولايات المتحدة، لم تكن الدولة هي التي أعادت بناء كل منزل خاص، بل لعبت شركات التأمين دوراً أساسياً، فيما بقي كثيرون يعانون لسنوات من آثار الكارثة.
أما في لبنان، فقد نشأت عبر العقود تجربة مختلفة، حيث ارتبطت إعادة الإعمار بمؤسسات وصناديق ذات طابع سياسي، مثل مجلس الجنوب ووزارة المهجرين، وهي تجربة يرى منتقدوها أنها كرّست الزبائنية السياسية وربطت الخدمات العامة بالولاءات الانتخابية، فيما يعتبرها مؤيدوها ضرورة فرضتها ظروف الحروب المتكررة وغياب الدولة القادرة.
اليوم تبدو البيئة الحاضنة لحزب الله أمام معادلة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فإيران، الحليف الأساسي للحزب، تواجه أزمات اقتصادية وعقوبات وضغوطاً كبيرة، ما يثير تساؤلات حول قدرتها على توفير التمويل الذي كان متاحاً في مراحل سابقة. وفي المقابل، لا تبدو دول الخليج متحمسة لتكرار تجربة عام 2006، خصوصاً في ظل التوترات السياسية والإقليمية التي طبعت السنوات الماضية.
أما الدولة اللبنانية، فهي بالكاد تستطيع تأمين رواتب موظفيها وتمويل الحد الأدنى من الخدمات العامة، بينما يرزح المواطن تحت أعباء ضريبية ورسوم مرتفعة، ولا سيما على المحروقات. لذلك تبدو قدرتها على إطلاق ورشة إعمار واسعة النطاق محدودة للغاية.
وتشير مواقف العديد من الجهات الدولية إلى أن الأولوية في أي دعم مالي للبنان تتركز على مؤسسات الدولة، ولا سيما الجيش والقوى الأمنية والإصلاحات الاقتصادية، أكثر مما تتركز على تمويل إعادة بناء الممتلكات الخاصة بصورة مباشرة.
كل ذلك يجعل أفق إعادة الإعمار أكثر ضبابية من أي وقت مضى، ويطرح أسئلة قد تصبح أكثر إلحاحاً مع مرور الوقت: كيف سيتعامل سكان الجنوب مع واقع تأخر التعويضات؟ وهل يؤدي استمرار الأزمة إلى حالة من التململ الاجتماعي داخل البيئة المتضررة؟ وهل يصبح ملف السلاح جزءاً أساسياً من أي تسوية دولية أو إقليمية مرتبطة بإعادة الإعمار، كما يذهب إليه عدد من المحللين؟
تبقى هذه الأسئلة مفتوحة، والإجابة عنها رهن بالتطورات السياسية والاقتصادية في لبنان والمنطقة. لكن المؤكد أن أبناء الجنوب، كما جميع اللبنانيين، هم من يدفع اليوم الثمن الأكبر للحروب المتعاقبة، وأن النقاش حول أسباب ما جرى ونتائجه سيزداد حضوراً كلما طال انتظار إعادة الإعمار، وكلما تعاظمت الفجوة بين حجم الدمار والإمكانات المتاحه لاعادة الجنوب الى ما كان عليه.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير