بين ماضٍ منهك ومستقبلٍ مهدّد: ماذا ينتظر شباب اليوم؟

خاص بوابة بيروت

لطالما عُرف لبنان بذكاء شبابه وبالقدرات التي يمتلكونها. فهو بلد اشتهر بجامعاته ذات المستوى الرفيع، التي تخرّج عقولًا مطلوبة في مختلف أنحاء العالم. شباب يحبون الحياة، رغم أنّ هذه الحياة لم تمنحهم يومًا طريقًا سهلًا.

شباب يستطيع لبنان الاتكال عليهم، شباب كانوا، أمام كل أزمة تضرب الوطن، أوّل من يبادر إلى المساعدة، متخطّين انتماءاتهم الدينية والطائفية والمجتمعية، لأنهم جميعًا يحملون هوية واحدة مشتركة: لبنان.

لكن سؤالًا أساسيًا يجب أن يُطرح اليوم: ماذا يقدّم لبنان لهؤلاء الشباب؟

في عام ١٩٦٩، قدّم لبنان لهؤلاء الشباب اتفاقًا مخزيًا فتح الباب أمام حرب الآخرين على أرضنا عام ١٩٧٥، حربًا استمرت خمسة عشر عامًا، ومَحَت حلم المستقبل من أمام جيل كامل. خمسة عشر عامًا من الحرب، بدلًا من أن يبني خلالها شبابنا مستقبلهم، أُجبروا على الدفاع عن عائلاتهم ووطنهم وهويتهم. خمسة عشر عامًا، بدلًا من أن يحملوا شهاداتهم بفخر، اضطر شبابنا إلى حمل السلاح، وكان هدفهم الوحيد هو الدفاع عن أنفسهم.

بدلًا من أن تنتظر الأمهات أبناءهن للعودة من المدرسة، كنّ ينتظرنهم دون أي ضمان بأنهم سيعودون. وبدلًا من أن يحمل الآباء أبناءهم بين أذرعهم بعد كل نجاح، اضطروا إلى حملهم على أربعة أكتاف للمرة الأخيرة.

لكن الشباب اللبناني معروف بصموده وقدرته على النهوض. لذلك، وبعد خمسة عشر عامًا من الحرب، نهضوا من جديد وحاولوا إعادة بناء وطن يليق بهم. إلا أنهم واجهوا شكلًا آخر من الحروب، هذه المرة حرب دولة ضد شعبها. دولة تسيطر عليها منظمة حملت، منذ نصف قرن، هدفًا واحدًا وأجندة خارجية واحدة.

ورغم أن شبابنا معروفون بذكائهم وصمودهم، إلا أن يدًا واحدة لا تستطيع أن تصفق وحدها. دولة قدّمت الزبائنية على حساب الجدارة، وغسل العقول على حساب التربية، والسلاح على حساب الشهادة. دولة دمّرت أجيالًا عديدة عبر شرعنة ما هو غير شرعي.

دولة سمحت بوجود تعددية سلطوية، وبنشوء دويلة داخل الدولة. دولة سمحت لمنظمة بامتلاك أسلحة غير شرعية والانخراط في حروب لا تخص الوطن.

دولة، بدلًا من أن تبذل كل ما لديها لبناء مستقبل يليق بشبابها، اختارت أن تتمسّك بماضٍ مظلم. ببساطة، دولة نسيت معنى أن تكون دولة.

اليوم، في عام ٢٠٢٦، يمكننا التأكيد أن كل شيء بدأ يتغيّر. الدولة تستعيد سيادتها، والشباب يستعيدون أملهم بمستقبل أفضل. إنها اللحظة الحاسمة: إما أن نختار البقاء في الظلام، أو أن نختار أن نكون الشعلة التي تنير الليل وتمحو هذا الماضي المظلم الذي لا يزال يلاحقنا.
إن دورنا، نحن الشباب، هو أن نأخذ هذا القرار.

ولكي نستطيع أن ننير مستقبلنا، علينا أن نثق بمن يجب أن يمنحنا هذا النور: الدولة السيادية. يحتاج الشباب إلى نظام يدفعهم إلى التطور، التعلّم، العطاء، والأهم إلى البقاء في وطنهم.

لقد اختبر الوطن كل الخيارات: الحروب، الفساد، الشعارات والمقاومات الوهمية. فلماذا لا نختار هذه المرّة خيار الشباب؟

لا شيء أقوى من شباب يحملون الأمل والإيمان بوطن يعدهم بمستقبل مشرق. شباب لا يملكون إلا شهاداتهم كسلاح، ولا يجدون إلا دولتهم كمدافع عنهم. شباب ورثوا صمودهم عن أجدادهم. شباب مرّوا بأجيالٍ من الحروب، حاملين حلم وطنٍ أجمل. أجيالٌ سلّمت أجيال، فبقي الحلم حيًّا، واليوم يتحوّل هذا الأمل إلى حقيقة.

فهل ستبقى عبارة «إن شاء الله بتشوفوا أيّام حلوة» مجرّد أمنية تتوارثها الأجيال، أم سيأتي يوم تتحوّل فيه إلى حقيقةٍ يعيشها الشباب اللبناني، لا مجرّد وعدٍ يُقال؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك