خاص بوابة بيروت
هل يدخل فؤاد المخزومي إلى السراي الحكومي من بوابة اتحاد عائلات بيروت، أم أن الطريق إلى رئاسة الحكومة لا يزال يمرّ حُكمًا عبر دار الفتوى أولًا، ثم عبر انتخابات نيابية تفرز كتلة سنية وازنة قادرة على تثبيت حضوره في المعادلة السياسية اللبنانية؟
منذ دخوله المعترك السياسي، لم يكن طموح فؤاد المخزومي محصورًا في الفوز بمقعد نيابي أو الحفاظ على حضور سياسي محدود. فمنذ البدايات، بدا واضحًا أن عينه كانت على موقع أكبر، وعلى لعب دور قيادي في الساحة السنية، خصوصًا بعد أفول مرحلة الحريرية السياسية بالشكل الذي عرفه لبنان لعقود.
ومن هنا، لم تكن معركة الانتخابات البلدية بالنسبة إليه مجرد استحقاق إنمائي أو بلدي، بل محطة أساسية في اختبار حجم حضوره الشعبي في بيروت. خاض المخزومي المعركة ضمن تحالف واسع ضم قوى وأحزابًا متعددة، في محاولة للوصول إلى رئاسة بلدية بيروت. وقد تمكنت اللائحة التي شكلها من تحقيق الفوز، إلا أن قراءة الأرقام بعد انتهاء المعركة حملت دلالات مختلفة.
فالتدقيق في النتائج أظهر أن جزءًا كبيرًا من الأصوات التي حصدتها اللائحة جاء عبر القوى السياسية والأحزاب التي شاركت في دعمها، وليس بالضرورة من القاعدة البيروتية الصافية. وفي المقابل، بدا أن شريحة واسعة من أبناء بيروت لا تزال تميل إلى اللوائح التي تمثل الاعتدال السني، وتحافظ على مفهوم الشراكة بين الإسلام المعتدل والوسطية التي طبعت التجربة الحريرية.
وقد ذهبت نسبة من هذه الأصوات إلى لوائح منافسة، ولا سيما اللائحة التي ترأسها العميد محمود الجمل، والتي استطاعت تحقيق خرق لافت، فتحول هذا الخرق إلى ظاهرة سياسية تستحق التوقف عندها، خصوصًا في قراءة المزاج البيروتي وتوزع الأصوات خارج الاصطفافات الحزبية التقليدية.
من البلدية إلى اتحاد العائلات
إذا كان هدف المخزومي النهائي هو الوصول إلى رئاسة الحكومة، فإن ذلك يفرض عليه إعادة قراءة علاقته المباشرة بأبناء بيروت، لا الاكتفاء بالدعم الحزبي أو التحالفات السياسية.
من هنا جاءت معركة اتحاد عائلات بيروت.
فالاتحاد، وإن كان لا يمتلك سلطة رسمية مباشرة، ولا يملك القدرة التنفيذية على تأمين الوظائف لأبناء العاصمة أو التأثير المباشر في التعيينات والمناصب العليا في الدولة، فإنه يمتلك قيمة سياسية ورمزية لا يمكن تجاهلها.
فالفوز داخل اتحاد عائلات بيروت يمنح صاحبه غطاءً اجتماعيًا سنيًا وازنًا، ويتيح له أن يقول إنه يمثل شريحة واسعة من عائلات العاصمة، بما تحمل هذه العائلات من ثقل تاريخي واجتماعي وانتخابي.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو نتائج انتخابات الاتحاد الأخيرة أكثر أهمية من مجرد انتخاب مجلس إدارة جديد. فالخلطة التي أنتجتها الانتخابات تحمل مؤشرات على بداية إعادة ترتيب للتوازنات داخل بيروت، وربما على إعادة رسم لخريطة التمثيل الاجتماعي والسياسي في العاصمة.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل يستطيع المخزومي تحويل هذا الغطاء الاجتماعي إلى رصيد سياسي وانتخابي فعلي؟
ثلاثة استحقاقات أمام المخزومي
إذا كان الوصول إلى السراي الحكومي هو الهدف، فإن أمام المخزومي ثلاثة استحقاقات أساسية، يبدو أن نجاحه فيها مجتمعة قد يفتح أمامه الطريق بصورة جدية.
أولًا: استحقاق دار الفتوى.
وهنا تكمن إحدى أهم المحطات. فالحضور في البيئة السنية لا يكتمل من دون موقع واضح في العلاقة مع دار الفتوى، وما يرتبط بها من رمزية دينية ووطنية. وإذا استطاع المخزومي أن يكسب هذا الرهان، فإن موقعه السياسي سيكتسب وزنًا إضافيًا، وقد ينتقل من مجرد طموح شخصي إلى مشروع سياسي أكثر وضوحًا.
ثانيًا: الانتخابات النيابية.
وهذه هي المعركة الفاصلة. ففوز المخزومي شخصيًا بمقعد نيابي لن يكون كافيًا لتحقيق الهدف. المطلوب، وفق هذه القراءة، أن يتمكن من تشكيل كتلة نيابية وازنة، قد تبدأ من ستة نواب أو أكثر، بحيث يتحول حضوره من تمثيل فردي إلى قوة نيابية يصعب تجاوزها عند البحث عن رئيس للحكومة.
فالسياسة اللبنانية لا تقوم فقط على من يفوز بالمقعد، بل على حجم الكتلة التي تقف خلفه وقدرتها على التفاوض والتأثير وفرض نفسها في الاستحقاقات الكبرى.
ثالثًا: بناء شبكة اجتماعية ومؤسساتية.
وهذا الاستحقاق لا يقل أهمية عن الانتخابات. فترسيخ الحضور السياسي يحتاج إلى وجود فاعل داخل الاتحادات العمالية والنقابات والجمعيات والمؤسسات الخيرية والاجتماعية، وفي مقدمها جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية.
فإذا استطاع المخزومي أن يبني حضورًا متماسكًا داخل هذه المؤسسات، وأن يحول هذا الحضور إلى شبكة اجتماعية تمتد إلى مختلف شرائح المجتمع البيروتي، فإنه يكون قد قطع شوطًا كبيرًا في تثبيت موقعه كأحد أبرز المرشحين للعب دور قيادي في الساحة السنية.
هل أصبح الطريق إلى السراي مفتوحًا؟
المسألة، في نهاية المطاف، لا تتعلق بانتخابات اتحاد عائلات بيروت وحدها، ولا بفوز نيابي منفرد، ولا حتى بعلاقة سياسية مع هذه الجهة أو تلك.
المطلوب هو جمع عناصر القوة الثلاثة: غطاء اجتماعي بيروتي، وشرعية دينية ووطنية عبر العلاقة مع دار الفتوى، وكتلة نيابية وازنة تستطيع أن تضع اسم المخزومي على طاولة الاستحقاق الحكومي بقوة.
وفي حال نجح في تحقيق هذه المعادلة، فإن طموحه إلى رئاسة الحكومة لن يعود مجرد طموح سياسي شخصي، بل قد يتحول إلى مشروع مكتمل الأدوات.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة: هل يستطيع فؤاد المخزومي أن يفعل ما عجز عنه الآخرون، وأن يحوّل نتائج اتحاد عائلات بيروت إلى غطاء بيروتي حقيقي يمهّد لمعركة الانتخابات النيابية؟ وهل ينجح مجلس إدارة الاتحاد الجديد في أن يشكل رافعة اجتماعية وسياسية له، أم أن الطريق إلى السراي سيبقى أكثر تعقيدًا، مهما بدا المشهد البيروتي واعدًا؟
في السياسة اللبنانية، لا يكفي أن تصل إلى الباب… المهم أن تمتلك المفاتيح.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير