منتدى الصحة والعافية 2026…

حين تصبح الوقاية ثقافة والإنسان محور المنظومة الصحية

خاص بوابة بيروت

تحت رعاية معالي وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين، انطلقت في الثاني من أيلول فعاليات النسخة الثانية من منتدى الصحة والعافية 2026 – Health & Wellness Forum في مقر نقابة أطباء لبنان في العدلية – بيروت، على أن تستمر حتى الرابع من أيلول، تحت عنوان يحمل في مضمونه أكثر من رسالة صحية واجتماعية: «الوقاية والتوعية».

فالوقاية اليوم لم تعد مجرد شعار يُرفع في المؤتمرات، بل أصبحت ضرورة أمام نظام صحي يواجه كلفة متصاعدة للعلاج والاستشفاء، وأمام مجتمع يحتاج إلى إعادة النظر في مفهومه للصحة نفسها: هل ننتظر المرض حتى نعالجه، أم نبني الإنسان الصحي قبل أن يصل إلى سرير المستشفى؟

حضور صحي جامع

شهد حفل الافتتاح حضوراً لافتاً لعدد من أبرز الشخصيات والقيادات في القطاع الصحي، من بينهم وزير الصحة السابق الدكتور فراس الأبيض، ونقيب أطباء لبنان البروفسور إلياس شلالا، ونقيب صيادلة لبنان الدكتور عبد الرحمن مركباوي، والرئيس التنفيذي لمستشفى سيدة لبنان الجامعي الدكتور فادي سعد، ونقيبة الممرضات والممرضين السيدة عبير كردي علامة، ونقيبة القابلات القانونيات الدكتورة ريما شعيطو.

ونُظّم المنتدى بإدارة الدكتور جورج مفرّج وبمشاركة اللجنة المنظمة، إلى جانب حشد من الأطباء والمتخصصين وممثلي المؤسسات والجمعيات العاملة في المجال الصحي.

هذا التنوع بحد ذاته يحمل رسالة مهمة: الصحة لا يمكن أن تكون مسؤولية الطبيب وحده، ولا المستشفى وحده، ولا وزارة الصحة وحدها.

إنها مسؤولية منظومة متكاملة تبدأ بالفرد والأسرة، وتمر بالمدرسة والمجتمع والبيئة، وصولاً إلى المؤسسات الصحية والدولة.

من علاج المرض إلى صناعة الصحة

من أبرز ما حملته كلمة وزير الصحة الدكتور ركان ناصر الدين تأكيده أن استثمار دولار واحد في الرعاية الصحية الأولية يمكن أن يوفر عشرين دولاراً من كلفة الاستشفاء.

وأشار إلى أن مراجعة منتصف العام ضمن الخطة الاستراتيجية الصحية – رؤية 2030 أظهرت حجم العبء المالي الذي تتحمله الدولة نتيجة الاستشفاء، إذ ارتفع إنفاق الوزارة في هذا المجال من نحو 38 مليون دولار عام 2024 إلى أكثر من 150 مليوناً عام 2025، مع توقعات بتجاوز 250 مليون دولار في 2026.

هذه الأرقام تفتح باباً أكبر من النقاش المالي.

إنها تدعونا إلى إعادة تعريف الصحة.

ففي الرؤية الشمولية، لا تبدأ الصحة عندما تظهر نتيجة التحليل غير الطبيعية، ولا عندما يكشف التصوير الطبي وجود مشكلة، ولا عندما يدخل المريض المستشفى.

الصحة تبدأ قبل ذلك بكثير.

تبدأ من الغذاء الذي نختاره، ونوعية نومنا، وحركتنا اليومية، وقدرتنا على التعامل مع الضغط النفسي، ومن البيئة التي نعيش فيها، والعلاقات التي تحيط بنا، ومدى معرفتنا بأجسادنا وإشاراتها المبكرة.

وهنا تلتقي فلسفة الصحة الشمولية مع مفهوم الوقاية الحديث: أن نرى الإنسان ككل، لا أن نتعامل معه كمجموعة منفصلة من الأعضاء والأعراض.

الوقاية ليست الخوف من المرض

من المهم أيضاً ألا تتحول ثقافة الوقاية إلى ثقافة خوف دائم من المرض.

فالوعي الصحي الحقيقي لا يعني أن يعيش الإنسان مترقباً التشخيص التالي، بل أن يتعلم كيف يفهم جسده، ويعرف عوامل الخطورة، ويجري الفحوص المناسبة في الوقت المناسب، ويحافظ على غذاء متوازن ونشاط جسدي وصحة نفسية جيدة.

كما يعني بناء علاقة واعية ومتكاملة بين المريض والطبيب والمتخصصين في مختلف مجالات الصحة.

فالطب التشخيصي والتكنولوجيا الطبية والرعاية الأولية والتغذية والصحة النفسية والمقاربات التكاملية المسؤولة ليست بالضرورة عوالم متنافسة؛ بل يمكنها أن تعمل ضمن منظومة واحدة عندما يكون سلامة الإنسان والدليل العلمي والتعاون بين الاختصاصات هي الأساس.

وهنا تحديداً يمكن للبنان أن يطوّر نموذجاً صحياً أكثر إنسانية: نموذجاً لا يسأل فقط «ما المرض الذي نعالجه؟» بل أيضاً «كيف نحافظ على صحة هذا الإنسان ونوعية حياته؟»

السياحة الطبية… الصحة كقوة اقتصادية للبنان

وفي مساء الثاني من أيلول، انتقل المنتدى إلى ملف استراتيجي آخر من خلال جلسة بعنوان:

«السياحة الطبية: ركيزة للنهوض الاقتصادي في لبنان»

وعُقدت الجلسة بالشراكة مع Medilink Medical Tourism، بمشاركة الدكتور فراس الأبيض، والسيدة مارتين أبي خليل، المديرة العامة لـMedilink والرئيسة التنفيذية لـKBP-Biomak، والدكتورة لانا زيلع، مؤسسة ومديرة BioWave Consultancy لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، والسيدة شيرين ياغي، رئيسة Medilink والشريكة المؤسسة لـDRAPP.

ولبنان يمتلك بالفعل مقومات مهمة لاستعادة موقعه كوجهة صحية إقليمية: أطباء ذوو خبرات عالمية، مستشفيات جامعية، كفاءات لبنانية منتشرة حول العالم، وتاريخ طويل من الثقة بالقطاع الطبي اللبناني.

لكن السياحة الطبية الحديثة تحتاج إلى أكثر من الطبيب والمستشفى.

إنها تحتاج إلى معايير جودة واعتماد واضحة، وشفافية في الأسعار، وتسهيلات في السفر والتأشيرات، وتنظيم الاستقبال والنقل والإقامة والمتابعة بعد العلاج، إضافة إلى الاستثمار في الموارد البشرية.

ومن هنا جاء شعار الجلسة: «شفاء الحياة، إنعاش الاقتصاد، وبناء مستقبل لبنان».

ولماذا لا نذهب أبعد نحو السياحة الصحية الشمولية؟

هنا تحديداً تبرز فرصة إضافية أمام لبنان.

فالعالم لا يبحث اليوم فقط عن Medical Tourism المرتبطة بالجراحة والاستشفاء والعلاج الطبي، بل يشهد أيضاً توسعاً في مفهوم Wellness Tourism، حيث يسافر الإنسان من أجل الوقاية، والاستشفاء الطبيعي، والاسترخاء، وإدارة التوتر، والنشاط الجسدي، والتغذية الصحية واستعادة التوازن ونوعية الحياة.

ولبنان يمتلك عناصر استثنائية لبناء هذا النموذج.

من البحر إلى الجبل، ومن غاباته وأرزه إلى قراه ومطبخه المتوسطي وأعشابه وتنوعه الطبيعي والثقافي، يمكن أن تتحول الصحة والعافية إلى جزء من الهوية السياحية والاقتصادية للبنان.

وهذا يتطلب رؤية وطنية تجمع الطب والسياحة والصحة الوقائية والعافية والبيئة ضمن إطار مهني منظم يحفظ المعايير الصحية وسلامة المريض.

فلماذا لا يأتي الزائر إلى لبنان للعلاج الطبي، ثم يجد أيضاً منظومة متكاملة تساعده على التعافي الجسدي والنفسي واستعادة نمط حياة أكثر صحة؟

هذه ليست رفاهية، بل قطاع اقتصادي عالمي يستطيع لبنان أن يجد لنفسه مكاناً حقيقياً فيه.

معرض يجمع الابتكار بالوعي

وتزامناً مع جلسات المنتدى، أُقيم معرض صحي شاركت فيه شركات ومؤسسات قدمت مجموعة من المنتجات والخدمات والحلول الصحية، ما أتاح للحضور الاطلاع على التطورات والابتكارات وبناء جسور جديدة بين مقدمي الخدمات والمتخصصين والقطاع الصحي.

وهذه المساحات مهمة لأن مستقبل الصحة لن يُبنى داخل العيادات فقط، بل من خلال التعاون بين الطب والتكنولوجيا والبحث العلمي والتعليم والتوعية والمجتمع المدني والقطاع الخاص.

الصحة استثمار في الإنسان

ربما تكون أهم رسالة يخرج بها هذا المنتدى هي أن كلفة الوقاية يجب ألا تُقاس بما ننفقه عليها اليوم، بل بما توفره من مرض ومعاناة واستشفاء في المستقبل.

نحن بحاجة إلى أن يتعلم الطفل في المدرسة معنى الغذاء والحركة والنوم والصحة النفسية. وأن يعرف البالغ أهمية الفحص المبكر. وأن يجد المسن رعاية تحفظ كرامته واستقلاليته. وأن تصبح الصحة النفسية جزءاً طبيعياً من الرعاية الصحية. وأن نفهم أن الهواء والماء والغذاء والبيئة ليست ملفات منفصلة عن الصحة العامة.

فالإنسان لا ينفصل عن بيئته، والجسد لا ينفصل عن النفس، والوقاية لا تنفصل عن الوعي.

إن منتدى الصحة والعافية 2026 يفتح مساحة ضرورية لهذا الحوار، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المنتدى: كيف نحول «الوقاية والتوعية» من عنوان لثلاثة أيام إلى ثقافة وطنية مستدامة؟

لبنان يمتلك الأطباء والخبرات والمستشفيات والجامعات والطاقات البشرية والطبيعة والموقع والثقافة التي تؤهله ليكون مركزاً إقليمياً للصحة والاستشفاء والعافية.

وإذا استطعنا أن نجمع هذه العناصر ضمن رؤية وطنية واحدة، فقد لا تكون الصحة في لبنان مجرد قطاع يحتاج إلى الإنقاذ، بل يمكن أن تصبح إحدى أدوات إنقاذ لبنان نفسه.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك