كيف رسم جعجع خارطة الطريق من تطوّرات الميدان؟

الدّولة اليوم باتت طرفًا في جبهتين في وقت واحد: جبهة خارجيّة مع إسرائيل، واشتباك داخلي مع منظّمة حزب الله، حتّى لو أنّها لم تعلن ذلك. ولعلّ نجاح هذا العهد يكمن في جعل هذين الملفّين ضمن استراتيجيّة واحدة للحسم وللعودة دولة مكتملة، لا في معركتين منفصلتين، ليستطيع أن يترك لنفسه هامش المهادنة.

خاص بوابة بيروت

ممّا لا شكّ فيه أنّ الإسرائيلي سيسعى في المرحلة القادمة إلى فرض معادلات تفاوضيّة جديدة من خلال ما حقّقه في الميدان. كما أنّ سعيه الأمني سيكون أيضًا عبر تحويل مكاسبه الميدانيّة إلى وقائع جيوسياسيّة بعيدة المدى.

أمّا الدّولة اللبنانيّة التي تتصارع مع منظّمة حزب الله، الذي على ما يبدو أنّه لن يدخل تحت عباءتها بحسب ما تشير إليه الدّلائل، فستسعى، عبر المفاوضات التي يقودها فخامة الرّئيس، إلى تعزيز قرارها السيادي من خلال ما يمكنها تحقيقه على حساب الإسرائيلي. لكن كلّ شيء تقوم به سيبقى منتقصًا طالما أنّها لا تستطيع أن تحقّق أدنى مقوّمات وجودها كدولة من خلال سيطرتها على قرار الحرب والسلم واحتكار العنف.

وبعد التطوّرات الأخيرة، أصبح القرار في الجنوب كلّيًّا بيد الإسرائيلي بسبب تعنّت منظّمة حزب الله ورفضها تسليم ما عليها للدّولة اللبنانيّة؛ ظنًّا منها أنّها تستطيع الاحتفاظ بشرعيّة القوّة على حساب قوّة الشرعيّة التي تحتكرها الدّولة.

توازيًا، وفي الساحة اللبنانيّة، طغت مواقف رئيس حزب القوّات اللبنانيّة، سمير جعجع، العالية السقف، التي أعلنها عقب الاحتفال بذكرى شهداء المقاومة اللبنانيّة، في مقرّ حزب القوّات اللبنانيّة، أمس في معراب، حسبما جرت العادة السنويّة. حيث انتقد جعجع بوضوح كلًّا من رئيس الجمهوريّة بسبب تهميشه وزير الخارجيّة، ورئيس الحكومة التي اتّخذت القرارات السياسيّة لكنّها، حتّى الساعة، لم تنتقل إلى آليّة التنفيذ.

وهذا ما يُعتبر الأخطر في المرحلة السياسيّة، لأنّ جعجع يضع الحصان أمام العربة في مكانه الصحيح، فيما الحكومة والعهد معًا يصرّان، حتّى الساعة، على مسايرة الأطراف الخارجة عن القانون بحسب تصنيفهم.

كذلك فرض جعجع على السلطة البحث في المسار الانتقالي من خلال تفكيك بنية السلاح غير الشرعي. ولكن، هل يقتضي ذلك البحث عن ضمانات في قلب الدّولة؟ حتّى الساعة، لا يبدو أنّ الطريق واضح في المفهوم الذي يجب أن تقوده السلطة، لكن من منظور جعجع ومواقفه لا يبدو أنّ هكذا طروحات قد تكون محتملة في المرحلة القادمة. لذلك لم يشر في خطابه إلى أيٍّ منها.

ولعلّ هذا ما دفع «الحكيم» إلى استعمال عبارة «المسؤولون يحرثون في البحر» من دون حلّ معضلة حزب الله. فحلّ مسألة سلاح الحزب هو شرط مركزي لبناء الدّولة، لكنّه ليس الشرط الوحيد ولا العلاج السحري لكلّ أزمات لبنان. بل سيكون المنطلق أو الباب للدّخول في الدّولة التي أشار إليها جعجع في خطابه.

إقليميًّا، بدا جعجع متفائلًا بانتهاء المسار الإيراني في المنطقة، وهذا، باعتقاده، ما سيسرّع عمليّة الانتهاء من مسألة سلاح منظّمة حزب الله والمكابرة التي تمارسها. والملفت جدًّا في خطابه طمأنته للبيئة الشيعيّة مجتمعة بأنّنا مستعدّون جميعًا للدّفاع عن لبنان في حال تعرّض هذه البيئة لأيّ تهديد، ولكنّه ربط ذلك بعدم أن يكون هذا الدّفاع مرتبطًا بمصلحة إيران.

وكعادته، لم يبخل جعجع في وجدانيّاته عندما قال: «أنا سمير جعجع، أؤمن أن طائفتي هي أمي، وأن لبنان هو أبي، واللبنانيين هم جميعًا إخوتي، ولا أفرّط بأيٍّ منهم إلّا بمقدار ما يفرّط هو بنفسه، وما يصيبهم يصيبني».

ولقد اختصر جعجع في هذا القول نظرته إلى كلّ اللبنانيين الذين يريدون لبنان، أمّا الذين يرفضون لبنان، فبنظره وحدهم يتحمّلون مسؤوليّة رفض اللبنانيين لهم، لأنّهم هم أنفسهم قد خرجوا من لبنانيّتهم.

في المحصّلة، الدّولة اليوم باتت طرفًا في جبهتين في وقت واحد: جبهة خارجيّة مع إسرائيل، واشتباك داخلي مع منظّمة حزب الله، حتّى لو أنّها لم تعلن ذلك. ولعلّ نجاح هذا العهد يكمن في جعل هذين الملفّين ضمن استراتيجيّة واحدة للحسم وللعودة دولة مكتملة، لا في معركتين منفصلتين، ليستطيع أن يترك لنفسه هامش المهادنة؛ في وقت يبدو أنّ التغيّرات الميدانيّة، على وقع التصعيد الذي يُمارس في لبنان من قبل إسرائيل، وفي إيران من قبل الولايات المتّحدة الأميركيّة، من المتوقّع أن تفضي إلى مسارين تفاوضيّين جديدين غير مسارات واشنطن وروما وإسلام آباد، بعد تغيّر المعطيات على أرض الواقع.

فإسرائيل، يبدو أنّها ستدخل في معركتها الكبرى في القادم من الأيّام، كذلك الولايات المتّحدة نجحت بتغيير معادلات هرمز بضرب النّاقلات النفطيّة الإيرانيّة وفتح مسارات جديدة. وهذا، باعتقادي، ما سيسرّع وتيرة التغيير الجيوستراتيجي الشامل.

فلا دولة فعليّة في لبنان في ظلّ التشارك السيادي – الاستراتيجي بين الدّولة والمنظّمة. لكنّ الدّولة التي طالبها جعجع بحسم أمرها هي طرف في الصراع حول جوهر قوّة شرعيّتها مع شرعيّة القوّة التي لا تزال تهادنها. فهل الحسم المطلوب من قبل جعجع ومعظم اللبنانيين معه سيشكّل بداية بناء الدّولة، أم أنّه يجب البحث في بناء أدوات الدّولة لنجعل الحسم ممكنًا؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك