هل نحن فعلاً نريد أن يتقدم لبنان، أم أننا نريد فقط أن نثبت أن روايتنا عن الماضي هي الصحيحة؟
لبنان بلدٌ لم تنتهِ فيه القضايا يوماً. تتغيّر الحكومات، تتبدّل التحالفات، تظهر وجوه جديدة وتختفي أخرى، تتغير الظروف الإقليمية والدولية، وتتعاقب الأزمات، لكننا نعود دائماً إلى النقطة نفسها.
خاص بوابة بيروت
شاركتُ أخيراً في نقاشٍ عبر الإنترنت، ودخلته وأنا أعتقد أنني سأجد مساحةً لنقاش متقدّم، نقاشاً يتجاوز ما اعتدنا عليه، ويبحث بجدية في كيفية أخذ لبنان إلى الأمام، وكيف يمكن أن ننتقل من مرحلة التشخيص الدائم إلى مرحلة التفكير في الحلول وبناء المستقبل. كنت أتوقع أن يكون النقاش حول لبنان الذي نريده، لا لبنان الذي كنّا عليه، وحول ما يمكن أن نفعله اليوم كي لا يبقى الغد نسخةً أخرى من الأمس. لكن ما حدث كان كارثياً وعلى العكس تماماً. وجدتُ نفسي أمام النقاشات نفسها، والأسئلة نفسها، والانقسامات نفسها، والعودة المستمرة إلى الماضي وكأن لبنان لم يغادر تلك المرحلة أصلاً.
خرجتُ من النقاش وأنا أتساءل: هل المشكلة في لبنان أن لا أحد يعرف ما يجب فعله؟ أم أن المشكلة أننا، ببساطة، لا نريد أن نغادر النقاش الذي اعتدنا عليه؟ هذه ليست مسألة سياسية عابرة. إنها، في رأيي، واحدة من أعمق أزمات لبنان اليوم: أننا أصبحنا نعيش في الماضي أكثر مما نعيش في الحاضر، ونتحدث عن المستقبل من دون أن نتصرف على أساس أنه قادم فعلاً.
لبنان بلدٌ لم تنتهِ فيه القضايا يوماً. تتغيّر الحكومات، تتبدّل التحالفات، تظهر وجوه جديدة وتختفي أخرى، تتغير الظروف الإقليمية والدولية، وتتعاقب الأزمات، لكننا نعود دائماً إلى النقطة نفسها. نعيد مناقشة الحرب، والطائفية، والسيادة، والسلاح، والتدخلات الخارجية، والطبقة السياسية، والانهيار الاقتصادي، والمصارف، ومن كان مسؤولاً عما حدث، ومن بدأ ومن خسر ومن انتصر. وكلما ظننا أننا اقتربنا من إغلاق صفحة، فتحناها من جديد، وأعدنا قراءة الجمل نفسها، وربما بالغنا في الاختلاف على تفاصيلها، ثم اكتشفنا أننا لم نتقدم خطوة واحدة.
المشكلة ليست في أن نتذكر. بل على العكس، الأمم التي تنسى تاريخها تفقد جزءاً من وعيها. والمجتمعات التي لا تواجه ماضيها تكرر أخطاءها. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين أن نتعلم من الماضي وبين أن نعيش داخله، وبين أن نفهم ما حدث وبين أن نجعل ما حدث معياراً دائماً لما يجب أن يحدث.
في لبنان، يبدو أننا لم نكتفِ بحفظ الذاكرة؛ لقد سمحنا للذاكرة بأن تتحوّل إلى نظام سياسي واجتماعي كامل.
كل طرف يحمل روايته، وجرحه، ومخاوفه، وتفسيره للتاريخ. وكل طرف يريد أن يحمي هذه الرواية كما لو أن الاعتراف برواية الآخر يعني خسارة روايته هو. وهكذا أصبح الماضي ليس مجرد تاريخ، بل جزءاً من الحاضر السياسي، وأحياناً أداة لإنتاجه. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
عندما تصبح كل قضية جديدة امتداداً لقضية قديمة، وكل خلاف سياسي إعادة إنتاج لخلاف تاريخي، وكل موقف سياسي مرتبطاً بذاكرة جماعية سابقة، يصبح من الصعب جداً أن نبني قراراً وطنياً جديداً. لأننا لا نعود نناقش ما هو أفضل للبنان اليوم؛ بل نناقش لبنان من خلال ما حدث بالأمس.
نحن لا نسأل بما يكفي: ماذا يحتاج لبنان الآن؟ بل نسأل: من كان على حق آنذاك؟
لا نسأل: كيف نبني اقتصاداً جديداً؟ بل نعود إلى السؤال عن من تسبب في الانهيار.
لا نسأل: كيف نستعيد ثقة المواطن والدولة والمستثمر؟ بل نعيد فتح ملفات من خسر ومن ربح.
لا نسأل: كيف نحتفظ بشبابنا؟ بل نستمر في تحليل لماذا غادروا.
ولا نسأل بما يكفي: كيف نعيد بناء الدولة؟ بل نبقى عالقين في السؤال الأبدي: من يملك الدولة؟
وهذا هو الفارق بين مجتمع يريد أن يتقدم ومجتمع لا يزال يحاول أن يحسم معارك الماضي.
لبنان لا يحتاج إلى نسيان ماضيه. لبنان يحتاج إلى وضع الماضي في مكانه الصحيح.
الماضي يجب أن يكون معلماً، لا قائداً. يجب أن يساعدنا على فهم أخطائنا، لا أن يمنعنا من صناعة خيارات جديدة. يجب أن يكون جزءاً من الوعي الوطني، لا مادةً يومية لإعادة إنتاج الانقسام.
وهنا أعتقد أن علينا أن نكون صريحين مع أنفسنا: المشكلة في لبنان ليست دائماً في السياسيين وحدهم. نعم، الطبقة السياسية تتحمل مسؤولية هائلة عن إدارة البلاد، وعن تعطيل الإصلاح، وعن حماية المصالح الضيقة، وعن تحويل الدولة في مراحل كثيرة إلى مساحة للمحاصصة والتسويات. لكن لا يمكن أن تستمر هذه المنظومة لعقود من دون أن تجد بيئة اجتماعية وسياسية تسمح لها بالاستمرار.
نحن كمجتمع أيضاً بحاجة إلى مراجعة علاقتنا بالسياسة.
فطالما بقي المواطن ينظر إلى السياسة من زاوية “من يمثل طائفتي؟” قبل أن يسأل “من يدير الدولة بكفاءة؟”، ستبقى السياسة أسيرة منطق التمثيل الطائفي. وطالما بقيت معايير النجاح مرتبطة بمن انتصر على الآخر، لا بما أنجزه من أجل الناس، سنبقى ندور في الحلقة نفسها.
الدولة لا تُقاس بعدد الخطب التي تُلقى باسمها، ولا بعدد الشعارات الوطنية التي ترفع. الدولة تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها، وإدارة مواردها، وتطبيق قوانينها، وتأمين الخدمات، وحماية الحقوق، وبناء اقتصاد قادر على خلق الفرص، واستعادة الثقة داخلياً وخارجياً. وهنا تحديداً يجب أن نتوقف عند كلمة “الثقة”.
وهنا سأعيد ما كررته سابقاً وبإصرار. لبنان لا يستطيع أن يطلب من العالم أن يثق به بينما هو عاجز عن بناء الثقة داخله. لا يمكن أن نطلب استثمارات جديدة من دون إصلاح اقتصادي ومؤسساتي حقيقي. ولا يمكن أن نستعيد الثقة بالقطاع المصرفي من دون معالجة جدية للخسائر وإعادة بناء النظام المالي على أسس شفافة وقابلة للحياة. ولا يمكن أن نتحدث عن الاستقرار بينما لا يزال النظام السياسي عاجزاً عن إنتاج قرار واضح وقابل للتنفيذ.
لا ثقة من دون إصلاح. ولا استقرار مستدام من دون ثقة. ولا استثمار من دون استقرار. ولا اقتصاد منتج من دون مؤسسات قادرة على حماية الاستثمار والحقوق.
هذه ليست شعارات. هذه قواعد أساسية في إدارة الدول.
لكن لبنان، بدلاً من أن يتعامل معها كأولويات وطنية، يستهلك طاقته في إعادة النقاش حول من يتحمّل مسؤولية الماضي.
بالطبع يجب أن تكون هناك محاسبة. وبالطبع يجب أن تُكشف الحقائق، وأن تُستعاد الحقوق، وأن يخضع من ارتكب الجرائم أو الفساد للمساءلة. لا يمكن بناء دولة على النسيان أو الإفلات من العقاب. لكن المحاسبة شيء، وتحويل البلد بأكمله إلى محكمة تاريخية مفتوحة شيء آخر. هناك وقت للمحاسبة، ووقت للإصلاح، ووقت للبناء.
الدولة التي لا تعرف كيف تنتقل من مرحلة إلى أخرى تبقى عالقة في الأزمة.
وهذا ما أخشاه على لبنان اليوم: أن يتحوّل النقاش السياسي نفسه إلى نوع من الإدمان الوطني؛ نتحدث لأننا تعودنا على الحديث، ونختلف لأننا تعودنا على الاختلاف، ونستعيد المواقف نفسها لأننا لم نطوّر بعد لغة سياسية جديدة قادرة على إنتاج مستقبل مختلف.
العالم من حولنا لا ينتظر. اقتصادات جديدة تظهر، مدن تتغير، تقنيات تعيد تعريف العمل والتعليم والإنتاج، ودول كانت قبل سنوات تواجه تحديات هائلة أصبحت اليوم تتحدث عن عقودها المقبلة. بينما نحن ما زلنا نستهلك جزءاً كبيراً من طاقتنا الوطنية في محاولة تحديد من أخطأ قبل عشرين أو ثلاثين أو أربعين عاماً.
ليس المطلوب أن نتجاهل التاريخ. المطلوب أن نتوقف عن استخدامه كذريعة لعدم التحرّك.
السؤال الحقيقي الذي يجب أن نبدأ بطرحه ليس: “كيف وصلنا إلى هنا؟” فقط، بل: “كيف نخرج من هنا؟”
والسؤال الأهم: “أي لبنان نريد أن نكون بعد عشرين عاماً؟”
إذا لم نستطع الإجابة عن هذا السؤال، فسنظل ننتقل من أزمة إلى أزمة، ومن تسوية إلى تسوية، ومن حكومة إلى حكومة، من دون أن نمتلك مشروعاً وطنياً حقيقياً. ربما آن الأوان لأن نغيّر الطريقة التي نتحدث بها عن لبنان.
نحن بحاجة إلى الانتقال من سياسة الذاكرة إلى سياسة المستقبل، ومن إدارة الأزمات إلى إدارة الدولة، ومن البحث عن التسويات المؤقتة إلى بناء المؤسسات الدائمة، ومن حماية الزعامات إلى حماية النظام العام، ومن سؤال “من يملك النفوذ؟” إلى سؤال “من يملك القدرة على الإنجاز؟”
نحن بحاجة إلى أن يصبح النجاح السياسي في لبنان مرتبطاً بما تم إنجازه، لا بعدد الخصوم الذين تم إسقاطهم. وأن يصبح معيار الوزير ما أصلحه، لا كم تحالفاً عقد. وأن يصبح معيار النائب ما دافع عنه من سياسات عامة، لا كم خطاباً ألقى. وأن يصبح معيار الحكومة ما أنجزته للدولة، لا كم أزمة تجاوزتها. وأن يصبح معيار الوطنية ببساطة: ماذا فعلنا للبنان؟
لأن لبنان لا يحتاج إلى مزيد من السياسيين الذين يجيدون شرح لماذا لا يمكن أن ينجح. بل يحتاج إلى قيادة تقول إن النجاح ممكن، ثم تضع خطة لتحقيقه. ربما يبدو هذا الكلام مثالياً للبعض. لكن البديل أكثر خطورة: أن نقتنع بأن لبنان محكوم بأن يبقى كما هو.
لبنان ليس محكوماً بالفشل، وليس محكوماً بأن يبقى أسير نظام سياسي عاجز إلى الأبد، وليس محكوماً بأن يهاجر شبابه، وليس محكوماً بأن يعيش اقتصاداً منهاراً، وليس محكوماً بأن يبقى شعبه منقسماً حول كل شيء.
فالخروج من هذه الدائرة يتطلب شجاعة سياسية ومجتمعية مختلفة: شجاعة الاعتراف بأن الطريقة التي أوصلتنا إلى هنا لن تكون هي نفسها الطريقة التي ستخرجنا من هنا.
لا يمكننا أن نستخدم الأدوات نفسها وننتظر نتائج مختلفة، ولا يمكننا أن نعيد إنتاج الخطاب نفسه ونطلب من الناس أن يؤمنوا بالمستقبل، ولا يمكننا أن نبني لبنان الجديد بعقلية لبنان القديم.
ربما لهذا السبب كان النقاش الذي شاركت فيه أخيراً مزعجاً بالنسبة لي. ليس لأنه كان مختلفاً، بل لأنه لم يكن مختلفاً بما يكفي. كنت أبحث عن نقاش يأخذنا خطوة إلى الأمام، فوجدت أننا ما زلنا ننظر إلى الخلف. كنت أبحث عن أسئلة جديدة، فوجدت الأسئلة القديمة. كنت أبحث عن مشروع، فوجدت سجالاً. وكنت أبحث عن المستقبل، فوجدت الماضي جالساً معنا على الطاولة من جديد.
وهنا أعتقد أن علينا أن نتوقف للحظة ونسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً لكنه مؤلم: هل نحن فعلاً نريد أن يتقدم لبنان، أم أننا نريد فقط أن نثبت أن روايتنا عن الماضي هي الصحيحة؟
لأن الاثنين ليسا الشيء نفسه. قد نقضي عشرين عاماً في إثبات من كان على حق، ثم نكتشف أن الجميع خسر. وقد نقضي عشرين عاماً في محاولة بناء دولة أفضل، فنكتشف أن لبنان نفسه هو الذي ربح. فالاختيار أمامنا.
وأنا لا أعتقد أن لبنان يحتاج إلى اتفاق جديد حول الماضي بقدر ما يحتاج إلى عقد وطني جديد حول المستقبل.
نحتاج إلى أن نتفق، على الأقل، على أن الدولة أقوى من الأشخاص، وأن القانون أقوى من الطوائف، وأن المصلحة الوطنية يجب أن تتقدم على المصالح الضيقة، وأن الاقتصاد لا يمكن أن يعيش بلا إصلاح، وأن المؤسسات لا يمكن أن تعمل بلا مساءلة، وأن السيادة لا تكون شعاراً، وأن المواطن ليس رقماً انتخابياً، وأن الشباب ليسوا مجرد جيل جديد للهجرة.
نحتاج إلى لبنان يستطيع أن يقول: نعم، هذا ما حدث لنا، لكن هذا ليس كل ما نحن عليه. نحتاج إلى لبنان لا ينكر جراحه، لكنه لا يسمح لجراحه بأن تحدد مستقبله. نحتاج إلى لبنان يعرف تاريخه، لكنه لا يعيش فيه.
وأكثر من ذلك، نحتاج إلى أن نمتلك الجرأة على مغادرة الطاولة التي جلسنا حولها لعقود، لأن المشكلة ربما لم تعد في الموضوع الذي نناقشه فقط، بل في الطريقة التي نناقشه بها.
أيها الاصدقاء، لقد حان الوقت لطاولة جديدة، بأسئلة جديدة، وبمعايير جديدة، وبعقلية جديدة. طاولة لا يكون السؤال الأول فيها: “من انتصر؟”، بل “ماذا ربح لبنان؟”
ولا يكون السؤال: “من يتحمل مسؤولية الأمس؟” فقط، بل “من يتحمل مسؤولية الغد؟”
ولا يكون الهدف أن نثبت لبعضنا أننا كنا على حق، بل أن نثبت لأبنائنا أننا كنا قادرين على أن نفعل شيئاً أفضل.
فالأوطان لا تتقدم لأنها نسيت ماضيها، بل لأنها تعلمت منه ثم امتلكت الشجاعة لتغادره.
ولبنان اليوم لا يحتاج إلى ذاكرة أقل، بل يحتاج إلى مستقبل أكثر. يحتاج الينا نحن، أصحاب القرار.
وربما، قبل أن نطلب من لبنان أن يتقدم، علينا نحن أولاً أن نتوقف عن سحبه إلى الخلف.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير