لبنان ليس ساحة : من يكتب مستقبلنا؟

@kholoudwk

الصور والأحداث الجديدة التي نتابعها كل يوم عبر شاشاتنا ليست، في الحقيقة، إلا إعادة لمشهد قديم. تتغيّر الوجوه، تتبدّل الشعارات، وتتجمّل الخطابات، لكن اللعبة نفسها مستمرة: شعوب هذه المنطقة ما زالت وقودًا لحروب صغيرة تُدار، في معظم الأحيان، على طاولات أكبر منها.

واليوم، حين ننظر إلى جنوب لبنان، لا نحتاج إلى كثير من التحليل السياسي كي نفهم حجم المأساة. هناك أرض تُقصف، وبيوت تُدمّر، وعائلات تعيش بين النزوح والانتظار، وأناس يسألون كل مساء سؤالًا بسيطًا ومخيفًا: ماذا سيحدث غدًا؟

المشكلة أن هذا السؤال لم يعد سؤال أهل الجنوب وحدهم. القلق تمدّد إلى كل لبنان. اللبناني اليوم يعيش في بلد لا يعرف إلى أين يتجه، ولا أين تقف حدود الحرب، ولا متى تنتهي، ولا حتى إن كان ما نعيشه مرحلة عابرة أم مقدمة لشيء أكبر. نتابع الأخبار، نحلّل التصريحات، نحفظ أسماء الموفدين والمبادرات والتهديدات، فيما شعور واحد يكبر في الداخل: مصير بلدنا ما زال غامضًا.

والمشهد اللبناني ليس منفصلًا عما يحدث حولنا.

غزة تحت النار، والسودان ينزف، واليمن لم يخرج بعد من دوامة أزماته، وسوريا ما زالت تحمل أثقال سنوات طويلة من الحرب والتدخلات، والمنطقة كلها تبدو وكأنها واقفة فوق أرض متحركة، تتبدّل فيها التحالفات والمصالح بسرعة أكبر من قدرة الشعوب على التقاط أنفاسها.

كفانا تحليلًا واستنتاجات ومبارزات إعلامية حول مَن يربح ومَن يخسر. واشنطن لاعب أساسي، وموسكو تبحث عن نفوذها ومصالحها، وأنقرة وطهران والعواصم العربية الكبرى تعيد حساباتها وتموضعها، وإسرائيل تواصل عملياتها العسكرية، بينما يبقى الإنسان العادي هو الحلقة الأضعف في كل هذه المعادلات.

فمَن يسأل اليوم عن المواطن الذي خسر بيته في الجنوب؟
مَن يحسب خوف الأم حين تسمع صوت الطائرة فوق أطفالها؟
مَن يعيد سنوات العمر لمن هُجّر من أرضه؟
ومَن يعوّض الإنسان الذي عاش عمره ينتظر حربًا تنتهي، ليجد نفسه أمام حرب أخرى؟
هذه هي المفارقة الأكثر قسوة: الكبار يتفاوضون على النفوذ والأمن والطاقة والحدود، والشعوب تدفع الثمن من بيوتها وأرزاقها وأعمارها.

وفي لبنان تحديدًا، لسنا فقط أمام صراع إقليمي ودولي. نحن أيضًا أسرى نظام داخلي لم يستطع، أو لم يُرِد، أن يبني دولة تحمي مواطنيها وتمنحهم الحد الأدنى من الشعور بالأمان. ما زلنا نتقاتل على الحصص والطوائف والمواقع، بينما الوطن نفسه يتآكل أمام أعيننا.

جاءتنا على مدى سنوات شعارات الإصلاح، ومكافحة الفساد، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، فيما بقي اللبناني رهينة الانهيار والعقوبات والفيتوات والصراعات الداخلية والخارجية. وفي الوقت نفسه، يتنافس الخارج على النفوذ والغاز والممرات والحدود البحرية، وكأن شعوب هذه الأرض مجرد تفصيل صغير في خرائط المصالح.

هذه ربما هي حروب القرن الحادي والعشرين: ليست فقط دبابة تدخل أرضك. قد تكون طائرة مسيّرة فوق رأسك، أو عقوبة تخنق اقتصادك، أو فيتو يشلّ مؤسساتك، أو صفقة تُعقد بعيدًا عنك ثم تستيقظ لتكتشف أن مستقبلك كان أحد بنودها.

والأخطر أن يُرهَق الشعب إلى درجة يصبح معها مستعدًا لقبول أي وصاية مقابل قليل من الأمان.

يا شعب لبنان، ويا شعوب هذه المنطقة، أخشى أن السيناريوهات تُكتب فيما نحن ما زلنا نتجادل حول تفاصيلها. يُطلب منا أن نتقاتل على الطائفة والمذهب واللاجئ والهوية، وأن نصفّق لهذا المحور أو ذاك، بينما السؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله هو: أين نحن من كل ما يُرسم لمستقبلنا؟
أما نحن اللبنانيين، فلا نستطيع أن نحمّل الآخرين المسؤولية كاملة ثم نبرّئ أنفسنا.
نعم، الخارج يتدخل. نعم، المصالح الدولية والإقليمية ثقيلة. ونعم، لبنان كان ولا يزال ساحة مفتوحة لصراعات أكبر منه. لكننا نحن أيضًا سمحنا، بانقساماتنا وولاءاتنا وخوفنا وصمتنا، بأن يتحول وطننا إلى ورقة على طاولة الآخرين.

لذلك، المسؤولية تبدأ منّا.
أن نختلف في السياسة نعم، ولكن ألا نختلف على لبنان.
أن نختلف في الرأي، ولكن ألا يصبح الوطن وجهة نظر.
وأن نفهم أخيرًا أن لا أحد في هذا العالم سيحب هذه الأرض أكثر من أبنائها، ولا أحد سيحميها إن لم نقرر نحن أولًا أنها تستحق أن تكون وطنًا، لا ساحة.

وآخر ما أقول… الله يرحم كل من رحل في جنوب لبنان وغزة والسودان واليمن وسائر هذه المنطقة المنكوبة. أناس كانوا يملكون أسماءً وبيوتًا وأحلامًا وعائلات، ثم تحوّلوا في لحظة إلى أرقام عابرة أسفل شاشات الأخبار.

لا أريد أن يصبح لبنان رقمًا آخر. ولا أريد لأبنائنا وبناتنا أن يرثوا منّا السؤال نفسه الذي رافق أجيالنا: متى تنتهي الحرب؟ نريد أن نورثهم وطنًا، لا ذاكرة حرب.

عِشتم… وعاش لبنان، الوطن الذي علينا أن ننقذه قبل أن لا يبقى منه إلا ما نحمله في داخلنا.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك