طائر الفينيق المريض

تاريخيًّا، علّمتنا التجارب في لبنان أنّ أيّ فراغ سيادي لا يصمد بانتظار عودة المؤسسات إلى حالها الطبيعي، بل تملؤه قوى محلّية أو إقليمية عسكرية. فبالنسبة إلى القوى المحلّية، لا يبدو أنّها متوافرة راهنًا؛ لذلك تبقى الخيارات الإقليمية العسكرية هي الأبرز، في ظلّ استمرار الدولة بلعب دور «الرجل المريض» على حساب طائر الفينيق، حيث على ما يبدو أنّه أصبح هو نفسه " المريض...

خاص بوابة بيروت

تُجهد الدولة اللبنانية، بمؤسساتها المتصدّعة، في منع تحوّل الواقع الأمني الذي فرضه الإسرائيلي بقوّته المفرطة إلى ستاتيكو دائم في هذه المرحلة. وذلك سعيًا منها إلى الحفاظ على الحدّ الأدنى من جوهر السيادة المفقودة. فهل تنجح هذه الدولة في منع أيّ طرف من تحويل الفراغ الأمني إلى نظام جديد دائم خارج السيادة اللبنانية؟

في هذا السياق، بدا لافتًا قرار نشر الجيش في بلدة النبطية، منعًا لسقوطها، أو قل منعًا لإسقاطها أو تسليمها. وذلك لإظهار مدى جدّية الدولة في كونها الطرف الوحيد المخوّل إدارة الفراغ الأمني، ومنع الإسرائيلي من جعل الجنوب برمّته الساحة المفتوحة، لا بل الورقة الجديدة التي قد تتحوّل أرخص أداة ابتزاز بيده، مقابل أغلى ورقة يمتلكها الإيراني، حتّى الساعة؛ عنيتُ هنا مضيق هرمز.

وربّما كان ذلك للحدّ من غطرسة إيران في المضيق، ولا سيّما بعدما أدّى ذلك التصعيد الذي مارسته باستهداف القاعدة الأميركية في الأردن، والردّ الأميركي الذي تلاه بتدمير خمس ناقلات نفط إيرانية، إلى اضطراب جديد في الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة، مع تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل.

فإيران تمسك أميركا من اليد الاقتصادية التي تستطيع بموجبها إيلامها. لكنّ الأميركي يبدو، حتّى الساعة، أنّه دخل في مرحلة عدم الاكتراث بالنتائج التي يعتبرها محدودة مقابل ما يترقّب تحقيقه، غير آبه بتوسيع المواجهة خليجيًّا وجنوبًا، لتحقيق المكاسب له ولحليفه الأزرق على أبواب انتخاباتهما.

وهذا ما يجعل جلسة “روما” السياسية المتوقّعة في الأسبوع القادم رهنًا بالميدان، فيما تبدو جلسة «تامبا» العسكرية المرتقبة في أوائل تشرين الأوّل القادم حلقة للبحث في الترتيبات الأمنية الجديدة التي قد تتحقّق في الميدان ذاته. فالتفاوض والسياسة يتحرّكان، فيما الميدان ما زال ينتج وقائع جديدة.

وهذا ما يؤكّد أنّ الإسرائيلي لا يستخدم القوّة كأداة للردّ على التهديدات الأمنية المزعومة؛ بغضّ النظر عن أنّ غياب الدولة عن اتّخاذ قرارها الحاسم هو الذي ما زال، حتّى الساعة، المبرّر الأوّل للإسرائيلي. إنّما استخدامه للقوّة سيكون الوسيلة الوحيدة التي قد تؤمّن له الشروط الأفضل في مرحلة التفاوض المؤجّل، على وقع الحديث المتنامي إسرائيليًّا، وحتّى أميركيًّا، ولو ضمنيًّا، عن أنّ بقاء قوات إسرائيلية في مناطق معيّنة واستمرار الغارات سيستمرّان، برغم المسار السياسي.

وبغضّ النظر أيضًا عن الدور السلبي الذي تلعبه الدولة، إنّما تحاول أن تقدّم نفسها، عبر مؤسساتها، ولا سيّما الجيش، بأنّها البديل الأمني. وهذه المسألة أقلّ ما يمكن أن تكون الحدّ الأدنى من قدرة أيّ دولة على بسط سيادتها على كامل أراضيها.

لكنّ الإشكالية ــ الذريعة الذهبية بيد الإسرائيلي ــ تبقى تمسّك منظّمة حزب الله بسلاحها. وما قد يؤثّر إيجابًا هو نجاح المؤسسات اللبنانية في إقناع الخارج بأنّها تملك قدرة السيطرة على القرار الأمني. إلّا أنّ المياه تكذّب الغطّاس في هذه الحالة؛ فلا الدولة قادرة على مواجهة إسرائيل أمنيًّا، ولا المنظّمة قابلة لأن تلعب الدولة دورها الأمني الطبيعي. وبالتّالي الاسرائيلي مستمرّ بتقدّمه الميداني، ولا حدود سيتوقّف عندها إلّا حدود قوّة الشرعيّة، التي للأسف لا تزال مفقودة إلى حينه. وسط هذين الصراعين، يبدو هذا الصراع الثالث طاغيًا أكثر، ويحدّ من اختزال الأزمة اللبنانية في العاملين الأوّلين.

فلنفترض أنّ الدولة أنجزت في هذا الملفّ، فمَن سيدفع الإسرائيلي إلى الانسحاب في ظلّ غياب الضمانات الدولية لتنفيذ أيّ ترتيبات مستقبلية، في ظلّ دولة تمّ تعجيزها بفعل القوّة المسلّحة غير الشرعية من جهة، وبفعل القوّة المفرطة التي دمّرت قدرتها على الاستمرار، من جهة ثانية؟

واستمرار الوضع على ما هو عليه، حتّى لو لم تتوسّع المواجهة جغرافيًّا، وعلى عتبة الثلاثين دولارًا لتنكة البنزين، سيؤدّي إلى تنامي الاستنزاف التدريجي بشكل صاروخي، بشكل سبق صواريخ منظّمة حزب الله، سيؤدّي إلى تدمير الهيكل وسقوطه، كي لا نقول إسقاطه، على وقع فرض وقائع ميدانية مرشّحة للتنامي كلّ يوم أكثر؛ إن من حيث الضربات المتقطّعة، أو استحداث المناطق الأمنية بحكم الأمر الواقع، ولا سيّما ارتفاع وتيرة الضغط على الدولة لتقديم التنازلات أو الضمانات الأمنية المطلوبة تحت النار.

تاريخيًّا، علّمتنا التجارب في لبنان أنّ أيّ فراغ سيادي لا يصمد بانتظار عودة المؤسسات إلى حالها الطبيعي، بل تملؤه قوى محلّية أو إقليمية عسكرية. فبالنسبة إلى القوى المحلّية، لا يبدو أنّها متوافرة راهنًا؛ لذلك تبقى الخيارات الإقليمية العسكرية هي الأبرز، في ظلّ استمرار الدولة بلعب دور «الرجل المريض» على حساب طائر الفينيق، حيث على ما يبدو أنّه أصبح هو نفسه ” المريض”.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك