كيف نحمي الجنوب؟
ما لم تنطق الدّولة بقوّة شرعيّتها وتعترف بالحقّ و الشّرعيّة في السّلام، فلا بندقيّة «مقاومة» مزعومة، ولا قوّة عسكريّة موهومة، ولو شرعيّة، قادرة أن تحمي الجنوب. وحده السّلام يحمي الجنوب، وينقذ لبنان كلّه من نارين تتصارعان وتتسارعان على إحراقه.
خاص بوابة بيروت
تكثر التساؤلات بعد الزّيارة التي قام بها فخامة الرّئيس مع الوفد المرافق، يوم السّبت، إلى النّبطيّة، ولا سيّما أنّ المنظّمة بدت غير راضية عن هذه الزّيارة؛ لأنّها لا تريد من الدّولة أن تكون دولةً موجودةً في أرضٍ تعتبرها أرض المعركة التي تخوضها لأجل غير هذه الدّولة. وأمام هذا الواقع، وبعد سقوط وهم القوّة الذي لطالما عيّشت المنظّمة الجنوبيّين تحت مظلّته، سقط القناع عن وجه الحقيقة، وبات مطلبهم الوحيد هو عودة الدّولة.
لكنّ الإشكاليّة المستقبليّة التي ستُطرح حتمًا هي: أيّ دولة ستعود إلى الجنوب؟ هل الدّولة التي عملت المنظّمة طوال 40 سنةً على زرع الشكّ في عقول الجنوبيّين حول قدرتها على حمايتهم؟ وهل هذه الدّولة قادرة، إن عادت إلى الجنوب، أن تؤمّن الحماية الحقيقيّة لأهلها وناسها؟
فعلى ما يبدو، أنّ زيارة السّبت تمّ محو نتائجها من خلال تأجيل الجلسة التفاوضيّة المرتقبة، وذلك لأنّ الدّولة قالت لمنظّمة حزب الله بأنّ الأمر في الجنوب هو لي. وهذا ما دفعه للتّصعيد سياسيًّا من خلال التّهديد بإسقاط الحكومة وعودة ميقاتي على رأس حكومة تعيد استنهاض مشروعه العسكري في الجنوب.
فالدّولة اليوم أمام امتحان الحفاظ على نتائج هذه الزّيارة من خلال إطلاق يد مؤسّساتها التنفيذيّة. وهي مطالبة بعدم تكرار التّقارير التي تمّ إعلام الأميركيّين بها سابقًا، ليتبيّن عكس حقيقتها بفعل القوّة الإسرائيليّة. فالجنوب لا يحتمل المزيد من اختبارات شرعيّة القوّة. وحدها قوّة الشّرعيّة تحمي الجنوب والجنوبيّين.
وإن لم تنجح الدّولة في هذا الاختبار، فهي حتمًا ستكون قد ساهمت في توسيع رقعة المنطقة الأمنيّة جنوبًا. مع العلم أنّ فرص النّجاح في ذلك ضئيلة. لكن لا يمكن التّهاون مع القدرات التي بناها الأميركيّون طوال هذه السّنين، واستثمارهم في المؤسّسة العسكريّة. وثقتنا كلبنانيّين كبيرة جدًّا. لا وهن ولا ضعف ولا انقسام. جلّ ما ينقص هو هذا الضّوء الأخضر لتنفيذ القرارات السّياسيّة، وأوّلها قرار 7 آب 2025.
وهذه المرحلة الثّانية من حماية الجنوب. عندها فقط تستطيع الدّولة استكمال استنهاض بنيتها المؤسّساتيّة في هذه الأرض. وهكذا سيشكّل الجنوب بوّابةً للعبور إلى لبنان المؤسّسات كلّه. لكن المؤشّرات على أرض الواقع غير مطمئنّة. فالدّولة كانت تمسك العصا من وسطها، أمّا اليوم فهي تتأبّطها وتتجنّب حتّى استعمالها لمجرّد قياس الأداء المؤسّساتي.
وهذا الواقع، بحسب التّسريبات التي ترد من الجهات الإسرائيليّة الإعلاميّة والسّياسيّة، يؤكّد رسميًّا فشل خطّة الجيش اللّبناني لسحب سلاح حزب الله. وذهبت هذه الجهات أبعد، إذ كشفت عن تنسيق بين قائد الجيش اللّبناني رودولف هيكل وحزب الله.
وهذا الحديث، دائمًا بحسب ما أوردته الجهات الإعلاميّة الإسرائيليّة، مثل القناة 14. وتعلّل هذه المصادر نفسها أنّ سبب تأجيل المفاوضات هو نتيجة لهذه الخلاصات التي تمّ التوصّل إليها، حيث باتت القناعة راسخة عند الإسرائيلي أكثر، أنّ مهمّة الدّولة اللّبنانيّة هي المهمّة التي سينفّذها بنفسه على كامل الأراضي اللّبنانيّة.
وهذا ما يعيد طرح الإشكاليّة الجوهريّة: كيف نحمي الجنوب إذًا، الواقع بين فكّي كمّاشة: الإسرائيلي من جهة، ومنظّمة حزب الله من جهة ثانية؟ فالإسرائيلي رافض الاعتراف بأنّ الدّولة قادرة، وتجارب الدّولة في هذا السّياق غير مشجّعة. ومنظّمة حزب الله رافضة لوجود الدّولة كدولة، بل تريدها أن تكون «شاهد ما شفش حاجة» لتستمرّ في منظوماتها العسكريّة والأمنيّة والاقتصاديّة والمجتمعيّة.
حماية الجنوب لم تعد تقتصر على الجنوب وحده، بل أضحت اليوم مرتبطة بحماية الدّولة برمّتها. إن لم تستطع هذه الدّولة أن تنتقل من البحث في كيفيّة مفاوضة الإسرائيلي، واستجداء المجتمع الدّولي، وتجنّب الإيراني، واسترضاء قسم من اللّبنانيّين، قد ينهار الهيكل برمّته عندها، ولن ينفع البكاء وصريف الأسنان.
والإسرائيلي يبحث عن نصر حتميّ في الميدان ليستثمره في انتخاباته الدّاخليّة. وما من أحد يقدّم له هذه الفرصة أكثر من منظّمة حزب الله باستمرارها في ما تقوم به. فالمنظّمة التي انتهت عسكريًّا في الميدان، ولم تعد قادرة على صرف وهم القوّة العسكريّة في السّياسة، ستبحث حتمًا عن تحقيق نصر في السّياسة، لتعود وتصرفه بالوهم في الميدان.
وهكذا تكون المنظّمة قد فضّلت الانتقال من وهم القوّة إلى قوّة الوهم، عسى أن تستطيع التقاط ما أسقطته منها قوّة الشّرعيّة التي ضربت شرعيّة قوّتها، انطلاقًا من خطاب القسم والبيان الوزاري والسّير قدمًا في المفاوضات المباشرة. صحيح أنّها تأجّلت، لكنّها لم تسقط. ما سيسقط أوّلًا هو الميدان بالكامل، لتعود بعدها وتنطلق عجلة المفاوضات من دون عرقلة.
وما لم تنطق الدّولة بقوّة شرعيّتها وتعترف بالحقّ والشّرعيّة في السّلام، فلا بندقيّة «مقاومة» مزعومة، ولا قوّة عسكريّة موهومة، ولو شرعيّة، قادرة أن تحمي الجنوب. وحده السّلام يحمي الجنوب، وينقذ لبنان كلّه من نارين تتصارعان وتتسارعان على إحراقه.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير