السباق مع الموت

لكنّ ذلك لن يمرّ مرور الكرام. ويبدو أنّ الورقة الحاسمة ميدانيًّا التي سيستعملها نتانياهو في انتخاباته الداخليّة قد مُنِحَها من بوابة العاصمة الفرنسيّة...

خاص بوابة بيروت

ثبّتت حكومة نوّاف سلام موقعها بعدما حصلت على الثقة للمرّة الثالثة. ولكن ما ميّز هذه الثقة أنّها جاءت تصويتًا على قدرة الدّولة في اختبار ذاتها في مرحلة ما بعد الثقة. وبات الكلّ بحالة ترقّب وانتظار. فهل ستنفّذ الحكومة قراراتها أم أنّ العجز سيبقى سيّد المرحلة ارتباطًا بتوازنات الدّاخل وبمفاوضات الخارج؟

ميدانيًّا استمرّت الآلة الاسرائيلية بالضرب والجرف من المنصوري إلى كفرتبنيت وصولا إلى وادي الحجير. هذا عدا استمرار طنين المسيّرات فوق منطقة ضاحية بيروت الجنوبيّة. هذا الطّنين الذي أصبح موسيقى يوميّة تشنّف آذان السّكان في هذه المناطق.

وفي التّوازي أخذ على فخامة الرّئيس بعض التراجع في مواقفه السياسيّة التي صدرت من فرنسا، حيث بات الحديث اليوم عن اتّفاق أمني اكثر من الوصول إلى السلام الذي تحدّث عنه في خطاب القسم. كما بات ملفّ معالجة السلاح من دون صدام داخلي ضرورة وطنيّة.

وهذا ما يطرح الاشكاليّة حول ترددّ الدّولة في الحسم الذي يضرّ بصورتها. في حين ألّا أحد يريد زعزعة السلم الأهلي. وفيما خصّ السلاح إن أقدمت الدّولة بمؤسساتها التنفيذيّة على خطوة جريئة واحدة فمن المؤكّد أنّ ذلك سيكون ككرة ثلج وصولًأ إلى الانتهاء بشكل كلّي من هذه الآفة التي دمّرت الدّولة.

وهذه المواقف دفعت رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير إلى ربط مسألة نزع سلاح حزب الله من جديد بمدى قدرة الجيش اللبناني على تعزيز حضوره وفاعليته الميدانية في الجنوب. وهذا تشكيك واضح في المؤسسة العسكريّة اللبنانية نابع من عدم القدرة على اتّخاذ القرار بالحسم.

ويبدو من تطوّر الأحداث اليومية في الجنوب أنّ استمرار الأمور على هذا المنوال لن يثمر منًّا وسلوى باريسيّة. قد تصل باريس وعمّان إلى بعض الترتيبات الأمنيّة بعد مرحلة اليونيفيل، وقد تكون فكرة إنشاء قوّة دوليّة أو أوروبيّة تنوب عن اليونيفيل إحدى أهمّ المقترحات المطروحة في باريس. وذلك للضرورات اللوجستيّة – الميدانيّة التي يبدو أنّ القرار بتطبيقها بالوسائل اللبنانيّة لا زال غير محسوم.

انطلاقًا من هذا الواقع، عادت الفخامة إلى لبنان، ولكن قبل المغادرة شدّد فخامته على أهمية دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي. ووفقًا لبعض المصادر الإعلاميّة الأميركيّة ظهر بعض التململ من المواقف اللبنانية في باريس، وهذا ما عكسته المبعوثة الأميركية السابقة مورغان أورتاغوس إلى لبنان في حديث لمنصّة “جيروزالم بوست” أمس بقولها: ” إنّ احتمال إحلال السلام بين أورشليم وبيروت يمثّل إحدى الفرص الأكثر أهميّة والأكثر هشاشة في المنطقة منذ عقود.”

ولعلّ هذا ما يبدو انعكاسًا لما لم يتمّ تطبيقه من الاتّفاق الإطاري الذي ربط بين الانسحاب الاسرائيلي التدريجي وخطوات لبنانيّة في نزع السلاح وانتشار الجيش. لكنّ التعثّر اللبناني الذي وصل ببعض النّافذين في إدارة الرئيس ترامب إلى الحديث عن تواطؤ ما بين منظّمة حزب الله والمؤسسات التنفيذيّة. أي أنّ الإدارة الأميركيّة تلمّح إلى ما هو أبعد من منظومة الدّولة العميقة، فهي وصلت بتحليلها إلى حدّ الارتهان. وهذه المعطيات لا زالت تبرّر استمرار العمليات الإسرائيلية والخلاف حول آليات تطبيق الترتيبات الأمنية.

يبقى أنّ التمايز الذي يحاول فخامة الرئيس أن يمارسه بين ثنائه على عمليّة التفاوض المباشر كوسيلة لتجنّب حرب جديدة، مع تأكيده المطلق على ضرورة حصر السلاح بيد الدّولة، وليس نزعه، زد على ذلك الخيار الأمني الهادئ الذي ينهي حالة العداء مع إسرائيل؛ بدت هذه المواقف كلّها قمّة في الدّهاء الديبلوماسي المصطلحي.

لكنّ ذلك لن يمرّ مرور الكرام. ويبدو أنّ الورقة الحاسمة ميدانيًّا التي سيستعملها نتانياهو في انتخاباته الداخليّة قد مُنِحَها من بوابة العاصمة الفرنسيّة. يبقى أن نترقّب تطوّرات الميدان التي بات من المتوقّع أنّها ستسبق الديبلوماسيّة التي تمّ تأجيلها إلى تشرين الأوّل القادم. فالسباق نار، والمتسابقان يسيران بسرعة البرق صوب الانتحار. فهل ستستطيع الدّولة أن تكبح هذا الجماح في الموت قبل الموت بحدّ ذاته؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك