الصحة في لبنان : من حق المواطن إلى بازار السياسة والزبائنية
إن تقييم أي وزارة صحة لا يكون بعدد الجولات والافتتاحات والصور، بل بما أنجزته فعليًا في الدواء، والمستشفيات الحكومية، والتغطية الصحية، والرقابة، والعدالة الصحية بين المناطق...
خاص بوابة بيروت
ليس المطلوب من المواطن اللبناني أن يصفّق لأي وزير يزور مستشفى، أو يلتقط صورة أمام جهاز طبي، أو يعلن مشروعًا جديدًا. المطلوب أبسط من ذلك وأكثر جدية: أن يرى الدولة في صحته، وأن يعرف أين يذهب عندما يمرض، وأن يحصل على الدواء والعلاج من دون واسطة أو إذلال أو استجداء سياسي.
ومن هنا، فإن تقييم أي وزارة صحة لا يكون بعدد الجولات والافتتاحات والصور، بل بما أنجزته فعليًا في الدواء، والمستشفيات الحكومية، والتغطية الصحية، والرقابة، والعدالة الصحية بين المناطق.
أولًا: ملف الدواء ليس مادة للمزايدة السياسية
خلال مرحلة تولّي وزراء محسوبين على حزب الله وزارة الصحة، وخصوصًا في عهد الوزير جميل جبق ثم الوزير حمد حسن، دخلت إلى لبنان أدوية إيرانية، بينها أدوية من فئة الـBiosimilar.
وهنا يجب أن نكون دقيقين: وزارة الصحة اللبنانية أكدت رسميًا أن تسجيل الأدوية الإيرانية تم عبر اللجان الفنية وبموجب المعايير التي تعتمدها الوزارة، ونفى الوزير حمد حسن أن تكون الموافقة عليها سياسية، مؤكدًا أنها تخضع للشروط الفنية المعتمدة.
لكن في المقابل، ظهرت تقارير وتحقيقات صحافية أثارت أسئلة جدية حول بعض هذه المستحضرات، ولا سيما بشأن الدراسات السريرية والجهات المرجعية التي تم الاستناد إليها، وهي أسئلة كان يفترض أن تُحسم بتقارير علمية ورقابية منشورة أمام الرأي العام، لا بالخطاب السياسي المضاد.
لذلك، فإن قضية الدواء الإيراني لا تحتاج إلى شتيمة ولا إلى تبرير سياسي؛ تحتاج إلى شفافية كاملة:
- من سجّل الدواء؟
- ما الدراسات التي خضع لها؟
- ما المختبرات التي فحصته؟
- ما نتائج الفحوص؟
- ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبتت مخالفة؟
أما الحديث عن أن دواءً للسرطان كان مجرد «ماء وملح»، فهو اتهام بالغ الخطورة لا يجوز تقديمه كحقيقة ثابتة من دون تقرير مخبري أو قضائي منشور يثبت الواقعة. لكن إن وُجدت ملفات أو شكاوى أو نتائج فحوص بهذا المعنى، فمن حق اللبنانيين معرفة نتائج التحقيق ومحاسبة المسؤولين.
فالدواء ليس ساحة نفوذ سياسي، والمريض ليس حقل تجارب.
ثانيًا: من وزارة الصحة إلى سوق النفوذ
المشكلة الأوسع ليست في جنسية الدواء، بل في طريقة إدارة الدولة للدواء.
عندما يصبح المريض مضطرًا إلى البحث عن واسطة للحصول على دواء مستعصٍ، أو عندما يتحول الوصول إلى العلاج إلى علاقة بين المواطن والسياسي، فإن الدولة تكون قد خسرت جزءًا من وظيفتها الأساسية.
الدولة الحديثة لا تمنح المواطن علاجه كـ«مكرمة».
العلاج حق، والدواء سياسة عامة، والمستشفى مؤسسة عامة، والمال الصحي مال الناس.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس الدفاع عن هذا الوزير أو ذاك، بل فتح ملفات وزارة الصحة في السنوات الماضية أمام أجهزة الرقابة والتفتيش والقضاء، ومراجعة المناقصات والعقود وآليات شراء الأدوية وتوزيعها، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالأمراض المستعصية.
ثالثًا: عكار لا تريد صورًا أمام مستشفى عبدالله الراسي
في عكار، لا يحتاج الناس إلى خطب عن العدالة الصحية. يحتاجون إلى مستشفيات.
وزارة الصحة نفسها أقرت في أكثر من مناسبة بأن مستشفى الدكتور عبدالله الراسي الحكومي في حلبا هو المستشفى الحكومي الوحيد في المحافظة الذي يستقبل المرضى، وأعلنت في تشرين الأول 2025 العمل على مشروع مستشفى حكومي جديد في منطقة السهلة – أكروم بالتعاون مع مجلس الإنماء والإعمار والصندوق الكويتي للتنمية.
السؤال اليوم بسيط: أين أصبح مستشفى أكروم؟
الإعلان عن المشروع ليس إنجازًا مكتملًا.
والصورة أمام المستشفى ليست بناءً للمستشفى.
والتصريح عن التمويل ليس افتتاحًا لمؤسسة صحية.
أهل أكروم ووادي خالد والقرى الحدودية لا يريدون وعودًا جديدة. يريدون جدولًا زمنيًا واضحًا، ومراحل تنفيذ معلنة، وتمويلًا معروف المصدر، ودفتر شروط شفافًا، وموعدًا فعليًا لوضع حجر الأساس والبدء بالأعمال.
وإذا كان التمويل متوافرًا، فما الذي يؤخر التنفيذ؟
هذا سؤال مشروع، وليس اتهامًا لأحد.
رابعًا: مستشفى عبدالله الراسي يستحق الدعم لا الاستعراض
لنكن منصفين أيضًا.
مستشفى عبدالله الراسي الحكومي في حلبا ليس خصمًا سياسيًا. هو مؤسسة عامة يعمل فيها أطباء وممرضون وموظفون يبذلون جهدًا كبيرًا في ظروف صعبة، ويشكّل المستشفى متنفسًا صحيًا أساسيًا لأهل عكار.
لكن احترام العاملين فيه لا يعني السكوت عن حاجاته.
المعلومات الرسمية لوزارة الصحة تظهر أن المستشفى يضم عشرات الأطباء والممرضين، ويقدّم خدمات طبية متعددة، فيما تؤكد الوزارة أن تطويره يحتاج إلى مزيد من التجهيزات والقدرات.
وفي 2026 أُطلقت مناقصة لتوسعة قسم الطوارئ بقيمة تقديرية تبلغ 200 ألف دولار، كما أُعلنت مناقصات أخرى لتأمين مستلزمات وأدوية وخدمات طبية للمستشفى.
كما أعلنت وزارة الصحة في تموز 2026 افتتاح أول قسم حكومي لقسطرة القلب في عكار داخل مستشفى عبدالله الراسي، بميزانية إجمالية بلغت 556 ألف دولار، بدعم من الهلال الأحمر القطري.
هذه خطوات يجب أن تُحتسب للمؤسسة وللجهات التي ساهمت فيها.
لكن المطلوب أكبر.
عكار تحتاج مستشفى حكوميًا قادرًا على لعب دور جامعي ومرجعي، لا مجرد مستشفى إسعافي محدود الإمكانات.
خامسًا: لماذا عكار بلا مستشفى حكومي جامعي؟
هنا السؤال السياسي الحقيقي.
الدليل الرسمي لوزارة الصحة يبيّن وجود مستشفيات حكومية جامعية في بيروت، وبعبدا، وضهر الباشق، وصيدا، إلى جانب مستشفيات حكومية أخرى، فيما يبقى مستشفى عبدالله الراسي في عكار مصنفًا كمستشفى حكومي وليس كمستشفى حكومي جامعي.
وفي طرابلس، جرى توقيع اتفاق تعاون بين مستشفى طرابلس الحكومي وجامعة بيروت العربية بهدف تطوير التدريب والبحث العلمي والخدمات الطبية، في خطوة نحو تعزيز الطابع الأكاديمي للمستشفى.
فلماذا لا تحصل عكار على المسار نفسه؟
لماذا لا يتحول عبدالله الراسي إلى مستشفى حكومي جامعي بالشراكة مع إحدى الجامعات؟
ولماذا لا تكون خطة مستشفى أكروم جزءًا من شبكة صحية متكاملة لعكار بدل أن تبقى المحافظة رهينة مستشفى واحد؟
هذه ليست مطالب مناطقية ضيقة.
هذه مسألة عدالة صحية وطنية.
سادسًا: بطاقة صحية أم تغطية ظرفية؟
وزير الصحة ركان ناصر الدين نفسه قال في أيلول 2026 إن لبنان لا يزال يعاني من غياب التغطية الصحية الشاملة، وإن المواطن لا يملك «البطاقة الصحية» التي تتيح له تلقي العلاج كحق ثابت، وربط المشكلة أساسًا بغياب التمويل الكافي لبناء نظام صحي شامل ومستدام.
وهذا الكلام يطرح السؤال الأهم: أين البطاقة الصحية الوطنية؟
أين النظام الذي يعرف فيه المواطن منذ اليوم الأول لمرضه:
- ماذا تغطي الدولة؟
- ما الأمراض المشمولة؟
- ما نسبة التغطية؟
- ما سقف العلاج؟
- ومن يتحمل كلفة العلاج خارج لبنان عندما لا يتوافر العلاج محليًا؟
أما التغطية بنسبة 100% في بعض المستشفيات الحكومية، فهي خطوة مختلفة عن بناء نظام تأمين صحي شامل ومستدام.
وفي آذار 2026 أصدرت وزارة الصحة تعميمًا يلزم مستشفيات حكومية وخاصة معنية بتغطية 100% للأعمال الطبية والاستشفائية التي تغطيها الوزارة للمرضى والنازحين الذين لا يملكون جهة ضامنة، كما طلبت من المواطنين الاتصال بالخط الساخن 1787 عند طلب فروقات مالية.
هذه التغطية مهمة في ظروفها، لكنها لا تجيب عن السؤال الأكبر: متى يصبح العلاج حقًا صحيًا ثابتًا لكل لبناني، لا قرارًا إداريًا مرتبطًا بالأزمة أو الحرب أو قدرة الوزارة المالية؟
سابعًا: لا نريد دولة تدفع فاتورة المرض فقط
الدولة الصحية لا تنتظر المواطن حتى يصاب بالسرطان أو يفشل قلبه أو يحتاج إلى غسيل كلى.
الدولة الصحية تستثمر في الوقاية، والفحص المبكر، والرعاية الأولية، والمستشفيات العامة، والتخصصات الطبية، والدواء الآمن، والبحث العلمي.
حتى وزارة الصحة نفسها تقول إن كلفة الاستشفاء لا تزال مرتفعة جدًا وإن لبنان لا يزال يفتقد التغطية الصحية الشاملة.
لذلك، فإن المطلوب برنامج وطني واضح يتضمن:
- بطاقة صحية وطنية لكل لبناني.
- تغطية واضحة للأمراض المستعصية والمزمنة.
- برنامج وطني لزراعة الأعضاء، بما في ذلك تحديد الحالات التي تحتاج إلى علاج خارج لبنان وفق معايير شفافة.
- تعزيز المستشفيات الحكومية وتحويل بعضها إلى مراكز جامعية متخصصة.
- نظام شراء دوائي شفاف وقابل للتدقيق.
- نشر نتائج فحوص الأدوية الحساسة للرأي العام.
- تدقيق مستقل في المناقصات والعقود الصحية.
- وقف تحويل العلاج إلى باب للزبائنية السياسية.
- خطة وطنية لتوزيع المستشفيات والتخصصات وفق حاجات السكان لا وفق النفوذ السياسي.
الصحة ليست ملكًا لحزب ولا لطائفة
المشكلة ليست في أن يكون الوزير من هذا الحزب أو ذاك.
المشكلة تبدأ عندما تصبح الوزارة امتدادًا للحزب، والمستشفى منصة للصور، والدواء أداة نفوذ، والعلاج وسيلة للزبائنية.
وإذا كانت هناك مخالفات أو هدر أو فساد في أي عهد، فالمطلوب ليس استبدال حزب بحزب، ولا وزير بوزير، بل فتح الملفات ومحاسبة المسؤولين وفق القانون.
أما عكار، فلا تريد وزيرًا يأتي إليها ليُستقبل بالزغاريد والعراضات، ثم يغادر وتبقى المستشفى نفسها تعاني من نقص التجهيز والتوسعة.
وبالمناسبة، من غير المقبول أن يتحول موظف رسمي إلى جزء من مشهد سياسي يمجّد وزيرًا أو حزبًا. الموظف العام وظيفته احترام الدولة والمواطن، لا صناعة الولاءات.
ومن يريد أن يلبس مديره عباءة سياسية، فليلبسها في بيته، لا داخل الإدارة العامة.
المسؤول السياسي يُحاسَب على عمله، والموظف يُحاسَب على وظيفته، والبلدية تُحاسَب على المال العام، والمستشفى تُحاسَب على جودة الخدمة.
أما الصور والعراضات، فلا تبني مستشفى.
عكار تريد مستشفى حكوميًا جامعيًا.
تريد مستشفى أكروم.
تريد تطوير عبدالله الراسي.
تريد دواءً آمنًا.
تريد بطاقة صحية.
تريد تغطية عادلة للأمراض المستعصية.
وتريد دولة لا تمنح الصحة كمنّة، بل تحميها كحق.
هذا هو الفرق بين دولة الرعاية الصحية ودولة الرعاية السياسية.
وعلى وزارة الصحة، وعلى مجلس الوزراء، وعلى مجلس الإنماء والإعمار، وعلى الجهات المانحة، أن يجيبوا بوضوح: متى يبدأ مستشفى أكروم؟
ومتى تصبح عكار قادرة على تقديم الطب الجامعي المتخصص لأهلها؟
ومتى يتحول الحق في الصحة من شعار إلى نظام وطني ثابت؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من أي صورة أمام باب مستشفى.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير